الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / بقعة حبر : العتب على الأجور وليست التأمينات

بقعة حبر : العتب على الأجور وليست التأمينات

التأمينات الاجتماعية ليست مؤسسات للرفاهية، بل للتأمين على الأيدي العاملة الوطنية في حالة وقوع الخطر “الوفاة ـ العجز ـ الشيخوخة ـ المرض”، مثلها كمثل صناديق التقاعد في العالم، تعتمد على الدراسات الإكتوارية في ديمومتها المستقبلية لدفع مستحقات المتقاعدين في القطاع الخاص لأي دولة.
ورغم حداثة التأمينات الاجتماعية في السلطنة والتي لا تتجاوز ربع قرن إلا أنها استفادت من تجارب الدول التي سبقتها في ذات المجال، إلا أن التعديلات الأخيرة لاقت مزيدا من الامتعاض من الأيدي العاملة الوطنية ليس كلها ولكن السواد الأعظم ممن رواتبهم متدنية بعد رفع نسبة الاشتراك للمنضوين تحت مظلتها .. لكن ضعف ثقافة التأمينات الاجتماعية لدى العاملين في القطاع الخاص يجعل الرؤية غير متكملة في أذهانهم ويعزى ذلك إلى قلة اهتمام دوائر الموارد البشرية في المؤسسات بتثقيف الموظفين بأنظمة التأمينات الاجتماعية على الرغم من وجود الزيارات التعريفية للعاملين التي تقوم بها الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية لكنها تحتاج إلى مضاعفة جهودها بشكل أكبر .
وحينما تسنح لك الفرصة لمقابلة أحد المختصين في منظمة العمل الدولية تدرك إنك قليل الفهم والالمام بمفهوم التأمينات الاجتماعية، كما تتضح لك الصورة بإن العيب ليس في التأمينات وتعديلاتها، إنما في الأجور المتدنية في القطاع الخاص، فمثل هذا القطاع يجب أن يستقطب وليس أن ينفر الأيدي العاملة الوطنية لأنه الوعاء الذي يستوعب الباحثين عن عمل مهما كان عددهم طالما وجدت البيئة الجاذبة والمشاريع المنافسة التي توفر الاستقرار للمواطنين وتساعدهم في تنمية المهارات وصقلها في قطاع يعتبر أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني.
لكن مسألة تدني الأجور في هذا القطاع مشكلة تؤرق الباحثين عن عمل والعاملين في القطاع، وطالما بقي الواقع على ما هو عليه فإن رفع نسبة اشتراك التأمينات الاجتماعية للأيدي العاملة الوطنية يعتبر مؤثراً، لأن استقطاع 7% من أجر موظف يبلغ راتبه 400 ريال عماني هي 28 ريال عماني مؤثرة لهذه الفئة، لأن الحياة المعيشية في ارتفاع بينما الأجر كما هو دون تغيير، فقط ينتظر نسبة 3% التي تزيد في أجره بينما الحياة ترتفع أضعاف ذلك كل عام، وهذا حال السواد الأعظم في القطاع الخاص.
اليوم نقف على عتبة تعديلات في قانون العمل، وأصوات من الحكومة تخرج بين الفينة والأخرى تنادي برفع الأجور في القطاع، وفي المقابل هناك امتيازات كبيرة للشركات مقدمة من الحكومة، إلا أن مرحلة النهوض بالقطاع ما تزال تسير بوتيرة دون الآمال والطموحات، لأننا نسمع أصوات تنادي، والأفعال في خبر كان، إن لم نقل ضمير مستتر تقديره فيما بعد .. ووسط ارتفاع الحياة المعيشية يقبع السواد الأعظم من الأيدي العاملة الوطنية في فئة متدنية الأجر التي صوتها لم يسمع بعد بانتظار قرار جرئ يرتقي بالأجور وينهض بالقطاع لآفاق أكثر استقراراً يساهم في انتعاش الاقتصاد الوطني.
والاستفادة من تجارب الدول الأخرى في مجال التأمينات الاجتماعية تستوجب أيضاً الاستفادة من تجاربها في استقرار الأيدي العاملة الوطنية في القطاع الخاص، وتتحمل الحكومة الخروج من قمقم الواقع المرير باستراتيجية تدفع الباحثين عن عمل والعاملين العمانيين في القطاع إلى المنافسة على الدخول وليس الخروج، ويكمن جوهر المطالب وأكثرها إلحاحاً في الأجور، التي لن تؤثر على اشتراكات التأمينات الاجتماعية في حالة الدفع بالأجور من الأدنى إلى الأعلى، وليس أن تبقى كما الحال الراهنة انتظار بداية كل عام حتى تضاف 3%.
إن كنا لا نقارن القطاع الخاص في الدول المتقدمة بقطاعنا هنا.. إلا هناك تجارب في دول مجاورة ساهمت في دفع الباحثين عن عمل إلى القطاع الخاص، فإن لم تنجح مبادرة الحكومة في الدفع بالأجور إلى مستويات عادلة عبر تقديم امتيازات للشركات، يمكن النظر إلى تجربة بعض الدول الخليجية التي قامت بإدراج علاوات للعاملين في القطاع الخاص مساوية لنظرائهم العاملين في القطاع العام، تجربة ساهمت في تحقيق شيئاً من العدالة الاجتماعية، واستقطاب القطاع الخاص للباحثين عن عمل، ووجود حالة من الاستقرار المواطنين في القطاع.
في هذا المقام استقرئ واقع القطاع الخاص ومكمن معاناة أبنائكم الذين تقع على عاتقهم الرقي بالقطاع لرفد الاقتصاد الوطني، وتقع على عاتق الحكومة سماع صوتهم والأخذ بأيديهم إلى بر الأمان والاستقرار وبناء عمان، والسير بها إلى مصافي البلدان التي تولي القطاع الخاص جل اهتمامها، من أجل بناء الإنسان القادر على العطاء في دفع عجلة الاقتصاد إلى الامام .
وأخيراً وليس آخرًا .. استقرار الأيدي العاملة الوطنية ووجود مشاريع منافسة وبيئة جذابة بالإضافة إلى دفع عجلة الأجور، سيساهم في وجود اقتصاد متنوعة يعتمد يرفد الاقتصاد ويستوعب الباحثين ويطور أنظمة التأمينات الاجتماعية لتواكب متغيرات المجتمع.

يوسف الحبسي
yousuf.alhabsi@gmail.com

إلى الأعلى