الأحد 22 سبتمبر 2019 م - ٢٢ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في مصر .. الدولار في انهيار والأسعار “نار”

في مصر .. الدولار في انهيار والأسعار “نار”

محمد عبد الصادق

لأول مرة منذ بداية تسجيل أسعار العملات، يفقد الدولار الأميركي 5% من قيمته أمام الجنيه المصري، عقب وصول سعره إلى أقل من 17جنيها بعد أن كان سعره 18جنيها في يناير الماضي، وينتظر المصريون على أحر من الجمر أن ينعكس هذا الانخفاض على أسعار السلع المحلية والمستوردة التي تضاعفت أسعارها منذ قررت الحكومة المصرية تعويم الجنيه في نوفمبر 2016م؛ حيث تعتمد مصر على الدولار في استيراد أكثر من 70% من احتياجاتها من السلع الاستراتيجية والخامات الأولية ومستلزمات الإنتاج.
وعلاقة المصريين بدأت مع الدولار الأميركي عقب نهاية حرب أكتوبر 1973م، وانتهاج الرئيس السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي التي سمح بمقتضاها للقطاع الخاص والأفراد بالاستيراد، بعد أن ظلت الدولة المصرية لعقود طويلة هي الجهة الوحيدة المسموح لها بالاستيراد والتصدير والتعامل مع الخارج، وكان امتلاك العملة الصعبة محظورا على الأفراد والجهات غير الحكومية، فضلا عن تعرض مصر لحصار اقتصادي من أميركا وأوروبا الغربية بسبب موقفها المعادي لإسرائيل والإمبريالية العالمية، وصعوبة حصول المصريين على تأشيرات دخول للدول الغربية نتيجة قطع العلاقات الدبلوماسية مع معظمها.
ازداد التصاق الاقتصاد المصري بالدولار في نهاية السبعينيات، عندما سمح السادات للمصريين بالسفر إلى الخارج، وسافر ملايين المصريين من مختلف المهن والفئات العمرية إلى دول الخليج وليبيا والعراق؛ هذه الدول التي شهدت انتعاشة اقتصادية كبيرة عقب ظهور النفط وارتفاع أسعاره عقب حرب أكتوبر 1973م، ولا تخلو أسرة مصرية في الريف والحضر من وجود ابن لها يعمل في الخارج، وبفضل التحويلات الدولارية تغير شكل الحياة في معظم القرى المصرية في الصعيد والوجه البحري، وهدم الفلاحون المصريون منازلهم القديمة المبنية من “الطوب اللبن” وأقاموا مكانها بيوتا حديثة متعددة الطوابق تحملها أعمدة من الإسمنت والحديد المسلح، وعرفت الأجهزة الكهربائية الحديثة طريقها للقرى المصرية التي كان يعاني معظمها من ضعف وانقطاع الكهرباء.
ظلت التحويلات الدولارية تتدفق على مصر من المصريين العاملين في العراق حتى أغسطس 1990م، عندما اجتاح صدام حسين الكويت، وبدأت أزمة حصار العراق، ورغم وقوف الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك مع الكويت ودول الخليج وإرساله قوات شاركت في التحالف الذي أجبر صدام حسين على الانسحاب من الكويت، إلا أن نسبة كبيرة من المصريين ظلت محتفظة بعملها في العراق، وظلت التحويلات الدولارية منتظمة يرسلها العمال لأسرهم على بنك الرافدين العراقي في القاهرة، ولكن مع تصاعد الحصار الذي انتهى بغزو العراق وسقوط بغداد في يد الأميركان في العام 2003م, غادرت العمالة المصرية العراق وتوقف مصدر مهم للدولارات كانت تعتمد عليه مصر في تدبير احتياجاتها المتزايدة من العملة الصعبة.
لجأت الحكومة المصرية إلى صندوق النقد الدولي لتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي تحصل بمقتضاه على 12مليار دولار قروضا بفائدة ميسرة؛ مقابل الوفاء بالشروط التي وضعها الصندوق.
تم رفع الدعم عن المحروقات وترشيد دعم السلع التموينية، وتحرير أسعار استهلاك الكهرباء والمياه والغاز، وتقليل عدد الموظفين في الجهاز الإداري للدولة بوقف التعيينات الجديدة وتشجيع الموظفين على التقاعد المبكر، مع ثبات الرواتب، والاعتماد على القطاع الخاص في توفير الوظائف وتشجيعه على تنفيذ المشروعات الإنمائية وتقديم الخدمات التي ظلت الحكومة المصرية تحتكرها منذ خمسينيات القرن الماضي.
تحمل المصريون الإجراءات الصعبة التي صاحبت البرنامج على مدار السنوات الثلاث الماضية، ومؤخرا بدأت تظهر ثمار نجاح هذا البرنامج متمثلة في انخفاض عجز الموازنة وانخفاض سعر الدولار وزيادة الاحتياطيات الدولارية في البنك المركزي، وتحقيق نسب نمو تقترب من 5.5% وانخفاض نسبة البطالة.
ولكن ما يزعج المصريين عدم انعكاس هذه المؤشرات الإيجابية على الأسعار التي ما زالت مرتفعة بشكل مبالغ فيه مقارنة بالمرتبات التي يتقاضاها معظمهم.
وفي انتظار جهود الحكومة لكبح جماح التضخم وخفض الأسعار وتحسين الأجور ورفع مستوى المعيشة، يتسلح المصريون بالهدوء والصبر يحدوهم الأمل في تحسن الأحوال المعيشية والخروج من النفق المظلم الذي عانوا منه سنوات، يحدوهم الأمل في تأمين حياة أفضل للأجيال القادمة.

إلى الأعلى