الخميس 27 يونيو 2019 م - ٢٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / المملكة المتحدة: فشل المفاوضات مأزق بريكست

المملكة المتحدة: فشل المفاوضات مأزق بريكست

كاظم الموسوي

هل تخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وتنفذ بريكست، أو تبقى تمدد الفترة القانونية؟ هل تستمر بالتفاوض مع قيادة الاتحاد الأوروبي أم مع حزب العمال المعارض، بزعامة جيرمي كوربين؟ هل تذهب حكومة المحافظين إلى استفتاء جديد وتستجيب لآلاف، إذا لم يكن ملايين، المتظاهرين والموقعين على عريضة جماعية مفتوحة، المطالبين بالبقاء في الاتحاد؟ من يقرر كل هذا ومن ينفذه؟! الحكومة اليمينية أم مجلس العموم المنقسم عموديا وأفقيا، أم الشارع الغاضب؟ ما هي آفاق العمل السياسي الذي تسير عليه الحكومة؟ وأسئلة كثيرة أخرى، تبين حجم المأزق والانسداد السياسي أمام حلول تخرج الدولة منها، لا سيما وأنها دخلت بسببها في أزمات على مختلف المستويات.
أجري الاستفتاء الأول في23 حزيران/مايو2016 وبينت نتائجه رجحان الموافقة على الخروج من الاتحاد بنسبة ضئيلة، واندفاع حزب المحافظين أو عصبة فيه إلى الترويج للخروج، دون حساب النتائج التي تترتب عليه، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وحتى أمنيا ووحدة المملكة، التي قد تتعرض للتفكك ويصبح الخروج من الاتحاد الأوروبي خروجا داخليا أيضا من اتحاد المملكة وتوزعها إلى دول جديدة. منذ ذاك بدأت الأزمات تتفاقم والتحذيرات من تعقيدها تتزايد، وصولا إلى ما هي عليه الأوضاع الآن.
كان المفروض أن تخرج المملكة من الاتحاد نهاية آذار/مارس الماضي حسب الفترة القانونية التي يحق لها البقاء وفق تفعيل المادة خمسين من اتفاقية الاتحاد. وقامت حكومة المحافظين ورئيستها تيريزا ماي في جولات ماراثونية بين لندن وبروكسل، عاصمة الاتحاد ومقر رئاسته، للوصول إلى اتفاق حول عملية الخروج أو الطلاق كما سمي في وسائل إعلام كثيرة. وعرضت ما توصلت إليه على البرلمان البريطاني للحصول على موافقة الطلاق، إلا أن البرلمان رفض كل ما عرض عليه، وطالب بأن يكون الطلاق باتفاق والامتناع عن خلافه، مما عقّد الأمور أمام ماي وحكومتها واضطرارها في الأخير الانحناء والتفاوض مع حزب المعارضة، حزب العمال وزعيمه، للوصول معا إلى حلول متفق عليها وقبول الخروج، حتى في إطار التمديد الأخير إلى 31 تشرين أول/أكتوبر هذا العام. وسبق أن طرح هذا السيناريو من ضمن الحلول المطروحة لإيجاد مخرج الطلاق باتفاق لا يضر المصالح المشتركة.
ثلاث مرات فشلت ماي في إقناع مجلس العموم البريطاني لما طرحته عليه، وأخيرا فشلت في مفاوضاتها مع حزب العمال المعارض. حيث أعلن الحزب وقف المفاوضات معها بعد ستة أسابيع من مفاوضات “غير مثمرة”. وقال زعيم الحزب المعارض جيرمي كوربين، في رسالة إلى ماي، إن المفاوضات “ذهبت إلى أقصى حد ممكن” بسبب “ضعف” الحكومة المحافظة معبرا عن عدم ثقته فيها للتوصل إلى أي اتفاق. مضيفا أنه رغم إجراء محادثات “بناءة” و”بحسن نية” من جانب الطرفين “لم نتمكن من سد ثغرات سياسية كبرى بيننا”. واعتبر كوربين أن “تلاشي سلطة” تيريزا ماي يهدد قدرتها على “جعل أي تعهد” تقطعه خلال هذه المحادثات ملموسًا. كما حذر كوربين من أنه “في حال لم يحصل تغيير كبير، سنواصل معارضة الاتفاق الذي أبرمته الحكومة” حول بريكست معتبرا أن هذا النص لا يحمي الوظائف أو الصناعات في بريطانيا.
معروف أن حزب العمال يفضل البقاء ضمن اتحاد جمركي أوروبي، يرسي سياسة جمركية وتجارية مشتركة، بحيث لا تفرض جمارك أو ضرائب على تبادل البضائع بين المملكة المتحدة ودول الاتحاد. فيما تؤكد ماي أنها تريد الخروج منه لإفساح المجال أمام بلادها للتوصل إلى اتفاقات تجارية مع دول أخرى. كذلك لا يستبعد حزب العمال خيار إجراء استفتاء ثانٍ، بحيث يصوت الشعب على الاتفاق الذي يقره البرلمان.
فشل المفاوضات بين الحزبين الرئيسين، المحافظين والعمال، قبل ستة أيام من الانتخابات الأوروبية في البلاد، مقدمة صراع سياسي جديد بينهما، في الانتخابات وفي تحقيق أفضل نتائج لكل منهما، بعدما انتقدهما الناخبون أو عاقبهما في نتائج الانتخابات المحلية بسبب المماطلة بشأن اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، وإبقاء التوتر والانتظار قائما.
وكانت المفاوضات بين الحزبين وما انتهت إليه موضع غضب بين المحافظين الداعمين لبريكست، إذ يقولون إن الاتحاد الجمركي سيحد من قدرة بريطانيا على إبرام اتفاقيات تجارية خاصة بها. كما يرون أن التصويت للمرة الثانية غير ديمقراطي. وهو أمر يثير استفسارات عن موقفهم مما يتحدثون عنه في قضايا مماثلة. كما انتقد بعض النواب المحافظين ذهاب ماي إلى التفاوض مع حزب العمال، لكنها قالت إن الحكومة “لا تملك إلا التواصل مع النواب على الجانب الآخر من مجلس العموم”. مع تأكيدها والحكومة البريطانية، على أن المفاوضات مع حزب العمال المعارض حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “بريكست” انتهت دون الوصول لاتفاق. مما يدفع إلى إجراءات صعبة وربما تعقيدات جديدة. لا اتفاقا داخليا وضغوطا خارجية مستمرة، وفشلا في التفاوض والإقناع، وحراكا شعبيا وردودا وأجوبة غير مقنعة وغير مسؤولة.
من بين ما يمكن حصوله هو اضطرار رئيسة الوزراء إلى إعلان موافقتها على التنحي بعد التصويت على الاتفاقية في مجلس العموم ودخول بريطانيا في فترة سياسية قلقة لما بعد ماي. رغم أن التنافس داخل حزب المحافظين حول خليفتها القادم كان قد بدأ، أو أعلن عنه داخليا أكثر من مرة، وكانت قد صرحت إثرها بأنها قد تعهدت بوضع جدول زمني لترك منصبها بعد تصويت مجلس العموم على خطتها للانسحاب من الاتحاد الأوروبي في الأسبوع الأول من حزيران/ يونيو القادم.
بعد نحو 3 أعوام من التصويت على نحو غير متوقع بالطلاق، الخروج من الاتحاد، بريكست، وكانت النتائج بسيطة ولها أسبابها وضغوط توجهاتها، لا يزال من غير الواضح متى ستعلن بريطانيا خروجها باتفاق أو بدونه، أو بقاءها في الاتحاد الذي انضمت له عام 1973، باستفتاء ثانٍ أو سحب طلبها الأول، وفي أي سيناريو ستتجه سياسات لندن وما هي صورتها القادمة؟!

إلى الأعلى