الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الشعوب العربية والحاجة لعقد اجتماعي جديد
الشعوب العربية والحاجة لعقد اجتماعي جديد

الشعوب العربية والحاجة لعقد اجتماعي جديد

تعيش العديد من الشعوب العربية حالة من عدم الاستقرار، بعد أن أدت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وانعدام الحرية والديمقراطية إلى ثورة الشعوب ومطالباتها بالتغيير، وتتزامن تلك الحالة مع هجمة صهيو ـ أميركية تستهدف القضاء على القضية الفلسطينية وتقسيم وتفتيت المنطقة إلى دويلات صغيرة متناحرة على غرار ما يحدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا، والتي تمزقها الصراعات والحروب الطائفية والمصلحية، لتبقى إسرائيل في النهاية الدولة الكبرى في منطقة الشرق الأوسط.
وتكشف خبرة السنوات السابقة وفشل الشعوب في حسم المسار الثوري وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي، أننا نعيش أزمة حقيقية، حيث نفتقد الحد الأدنى من الثقة، ونعجز عن عبور عملية التحول الديمقراطي المطلوبة لتحقيق الأمن والاستقرار للشعوب والمجتمعات العربية، وإزاء هذا الوضع المعقد، نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد، ولكن هذه المرة ليس بين الشعوب والأنظمة الحاكمة، وإنما بين الشعوب والجيوش الضامنة لأمن واستقرار تلك المجتمعات، خصوصا بعد أن اتضح الدور الكبير للجيوش العربية في المنطقة.
وفي هذا الصدد لا ضير من أن تضمن الشعوب تأمين مصالح الجيوش العربية في مقابل السماح بعملية التحول الديمقراطي التي تنشدها هذه الشعوب، فللجيوش في أغلب الدول العربية مصالح كبيرة لا يمكن أن تسلبها الأنظمة الجديدة بين عشية وضحاها، وجزء كبير من الصراع الدائر الآن نتيجة للخوف من السلطة المدنية، ليس تشكيكا في ولائها ولا وطنيتها ولكن لأن خبرتها في الشؤون العسكرية قد تكون محدودة، ومن ثم فنحن في حاجة إلى مرحلة انتقالية نضمن خلالها مصالح الجميع، وبحيث تكون المصلحة العليا للوطن هي الحاكم الفعلي لتحركات ومواقف مختلف الأطراف.
فوجود أحد العسكريين المتفق عليهم في السلطة لن يقضي على التجربة الديمقراطية، والحكم المدني للدولة لن يقضي على الجيش ولن يسلبه صلاحياته وامتيازاته الضرورية، الأمر فقط يحتاج إلى الثقة والتوافق بين الطرفين، بحيث يتم احترام مبادئ العملية الديمقراطية والحفاظ على الدولة، ومنع القوى الغربية المتربصة بمقدراتنا من استغلال الجميع لتفريغ عملية التحول الديمقراطي من مضمونها الحقيقي، وتحويلها إلى حركة عابرة لا طائل حقيقيا من ورائها سوى خسارة العشرات وأحيانا الآلاف من الضحايا الذين يعتقدون أن هناك أملا في تغيير حقيقي ينقل هذه المجتمعات من طور الخنوع إلى آفاق الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.
أما تمسك كل طرف بمواقفه واعتبارها مباراة صفرية، فهذا أمر يخسر فيه الوطن أكثر مما تخسر الأطراف الأخرى، سواء كانت مدنية أو عسكرية، فنجاح التجربة الديمقراطية هو مكسب للشعب كما هو مكسب للوطن، وهذا ما لن يحدث إلا في ظل عقد اجتماعي جديد يرضي كل الأطراف ويسهم في تدشين مرحلة جديدة تنعم فيها الدول العربية بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.

د.أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى