الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أسياد البشرية

أسياد البشرية

فوزي رمضان
صحفي مصري

أسئلة يفرضها الغموض، ويطرحها البهتان: هل الحكومات والأنظمة السياسية الطافية على الأسطح هي من تصنع القرار أم هناك جماعات خفية تحكم العالم وتفرض الإرادة؟! وقديما ومع الغموض والضبابية اخترع الإنسان الأسطورة لمساعدته في التعامل مع المآزق المستعصية، وتحديد موقعه من العالم، ومع فقدان الحقيقة الكاملة بات الإنسان يروج لنفسه الأساطير، وتتعمق الفكرة أكثر في حقيقة الجماعات الخفية والحكومة العالمية، كنوع من الأساطير التي ندركها واقعا، ويصعب اقتفاء آثارها، أو تتبع خيوطها، أو فك طلاسمها.
الحقيقة المذهلة التي لا يدركها البعض هي أن القوة الخفية الحقيقية والأسطورة الغامضة، ومنبع القرار ومركز السيطرة، تتركز في يد السوق والشركات الكبرى، بدلا من القادة السياسيين الوطنيين، التجار وأصحاب المعامل والمصانع، هم (أسياد البشرية) كما وصفهم آدم سميث في كتابه الشهير “ثروة الأمم”، وهي نفسها التكتلات والشركات المتعددة الجنسية، والمؤسسات المالية الضخمة في عصرنا.. (أسياد البشرية) هم أباطرة المال الذين يمسكون بتلابيب سلطة كبرى، ليس على مستوى داخل بلدانهم، بل تتخطى بلدان المجتمع الدولي كنوع من اللهو الخفي.
(أسياد البشرية) في واقع الأمر يمتلكون أكبر وأضخم وكالات أنباء وشركات إعلان، وشركات إنتاج السينما والتلفزيون، يستحوذون على دور النشر والمؤسسات الصحفية ومؤسسات قياس الرأي العام؛ إنهم يستطيعون صياغة عقل البشرية، يتعاملون مع البشر على أنهم سلعة ممكن صياغة مزاجهم وتوجهاتهم، وغرس قيم سلوكية تتماشى مع متطلبات السوق والإنتاج؛ إنهم يعملون على تزييف وعي الشعوب، والقضاء على مشاعر التعاطف والتضافر بين أبناء المجتمع الواحد والتحكم في مصائرهم.
(أسياد البشرية) تمثلهم الشركات المتعددة الجنسية، التي تتجاوز نشاطها حدود الدول القومية ذات السيادة، والتي تصل أعمالها شتى بقاع الأرض.. لقد بلغت قوة هذه الشركات درجة تجاوزت معها قوة الكثير من الدول.
(أسياد البشرية) لديهم من القوة التدخل في النزاعات المحلية، والتدخل كوسيط يدعم طرفا على حساب الآخر، بل والقيام بدور جماعة وقوة ضغط تهدف إلى دعم مرشح معين، وإيصاله لسدة الحكم بما يخدم مصالحهم المستقبلية؛ هم من يتحكمون في التكنولوجيا المتقدمة والتقنية الحديثة، واستخدامها كوسيلة ضغط على الدول النامية، لإجبارها على اتخاذ قرارات سياسية تتوافق مع سياسات دولهم وإرادة تحالفاتهم.
إن الدول الاقتصادية الكبرى والمتقدمة تقنيا، والتي تمتلك ناصية القوة الاقتصادية هي التي تستطيع التحكم بمصائر العالم.. إننا نعيش حقبة الأرقام، نعيش عصر من يمتلك المال والتقنية يستطيع أن يحكم العالم أجمع، وطبقا لتوقعات بيوت المال العالمية، تتصدر الصين اقتصاد العالم بحلول العام 2050، تليها الهند ثم أميركا ثالثا، ومن هنا تتصاعد الحرب الشرسة بين العملاقين الاقتصاديين الصين وأميركا حول سوق اتصالات الجيل الخامس، والتي تعتبرها الصين القفزة الكبرى لتتحول إلى قوة تقنية عظمى تحكم العالم؛ لذا تتصاعد لائحة الاتهامات الأميركية ضد شركة هواوي الصينية بإثارة المخاوف حيال احتمال استخدام الصين شبكاتها من الجيل الخامس لاختراق أمن الدول الغربية.. وعندما نعرف أن الجيل الخامس هذا يتعامل مع بيانات أكثر ألف مرة، بالمقارنة مع الجيل الرابع، هنا سنعرف أيضا، كيف يتعاظم الصراع على سيادة البشرية بالتقنية الحديثة؟!
في ذات الوقت ما زالت تتعامل أميركا بنفس سياسة عائلة مائير روتشيلد اليهودية العالمية، والتي يعزى إليها التلاعب بأحوال العالم ماديا، وحكم العالم بالمال.. في أميركا وبالتحديد في شارع وول ستريت، وهو سوق المبادلات المالية وشراء الأسهم في نيويورك، هناك مقر المشاريع والمؤامرات السياسية للسيطرة على كل شيء، هناك مضارب أكبر مرابي العالم، الذين يقررون وضع ومصير معظم الشركات العالمية وسعر عملات الدول، وتحديد أسعار النفط والغاز، والخامات والسلع الاستراتيجية، بل وتحديد رؤساء دول العالم.
لقد وفرت التطورات التقنية والتقدم العلمي الهائل الأرضية الخصبة للاقتصادات الكبرى كي تحكم العالم بكل سهولة ويسر. لقد بدأ الاقتصاد يبزغ كقوة ضاربة تسيطر على البشر، متفوقا على القوة العسكرية والسياسية، ومع انضمام الكثير من دول العالم إلى منظمة التجارة العالمية، والتي كرست من تبعية اقتصادات هذه الدول للاقتصادات الكبرى القوية، فجعلت صناعتها الوطنية ضعيفة وهزيلة، في ظل تدفق السلع والبضائع العالية الجودة.
لقد تحولت الدول النامية إلى سوق استهلاكية كبرى، وبات النمط الاستهلاكي هو ما يميز مرحلة السيطرة والهيمنة التي تعيشها تلك الدول، التي تحولت بشكل لا إرادي إلى سوق كبرى لتصريف منتجات وبضائع هذه الشركات، بغرض استنزاف الأموال وتحقيق الأرباح.. ومع توحش أسطورة الاقتصادات العملاقة، ومع تضخم ثروات (أسياد البشرية) تتقزم الدول النامية وتنكمش، ولا يسمح لها إلا أن تصبح فقط على قيد الحياة ـ وإلى حين ـ فممكن أن تنزع منها هذه الحياة!!

إلى الأعلى