الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : اللاجئون المهجَّرون وخطأ السياسات

رأي الوطن : اللاجئون المهجَّرون وخطأ السياسات

تمثل المعاناة الإنسانية للاجئين المهجَّرين قسرًا من أوطانهم وصمة عار على جبين على أولئك المتسببين فيها، والمتشدقين بالإنسانية وباحترام حقوق الإنسان وبالحريات والديمقراطيات وغيرها من الأدبيات السياسية التي لا يزالون يسوقونها ويغسلون أدمغة السواد الأعظم من الناس، خصوصًا سكان العالم الثالث بأنهم أهل تلك المبادئ والقيم، وأنهم سدنتها. لكن عند مشاهدة الواقع وتقليب صور مشاهده وبشيء من الموضوعية والعقل والمنطق، تبدو الصور مغايرة تمامًا، ويبدو واقع الحال مناقضًا بصورة فظيعة بين ما يتفوه به السياسيون المتاجرون بحقوق الإنسان وبالحريات وبالديمقراطيات وبين المعاناة الإنسانية والتشرد وانتهاك الحقوق والكرامة، وغيره التي يتعرض لها هؤلاء اللاجئون في بلدان اللجوء.
صحيح أن هناك من اللاجئين من تمكن من الاندماج وأخذ فرصته في العمل والعيش، إلا أن هذا الحال لا ينطبق على جميع اللاجئين، فغالبيتهم اليوم يواجهون الكثير من المعاناة، بل أصبح أمر اللاجئين ملفًّا شائكًا لدى الكثير من الدول الغربية، فضلًا عن النزعات الشعبوية التي بدت تطغى في الوسط المجتمعي الغربي، والتي لم تتورع عن إعلان كراهيتها للاجئين.
إن من يتابع تفاصيل هذا الملف وما يتعرض له اللاجئون من مضايقات ومعاناة، وانتهاك يقف على حجم الضيم والظلم الذي ارتكب بحقهم، فهؤلاء اللاجئون كانوا آمنين مطمئنين في أوطانهم، إلا أن الذي أوصلهم إلى هذا البؤس هو السياسات الغربية الاستعمارية الامبريالية التي أرادت أن تجعل من دول المهجَّرين مستعمرات تابعة لها، تستنزف ثرواتها ومقدراتها، وفي سبيل ذلك سخرت ما تملكه من وسائل تأثير وقوة لتدمير هذه الدول على النحو الذي يراه الجميع، حيث اتجهت إلى تكوين تنظيمات إرهابية بالتعاون مع قوى إقليمية وتقديم ما يلزمها من دعم لوجستي، من أجل أن تتمكن هذه التنظيمات من تحقيق أهداف هذه القوى الاستعمارية، فكانت النتيجة أن أبادت هذه التنظيمات الإرهابية الحرث والنسل، وعاثت في الأرض فسادًا، فقتلت من قتلت، وشردت من شردت، ولم يكن مصير هؤلاء المشردين والمهجَّرين سوى الموت غرقًا في البحر أو لقمة في بطون حيتانه، أو العذابات والمعاناة والبؤس والتشرد، والإهانات، سواء على الحدود أو داخل بلد اللجوء.
اللافت هو أن الدول التي كان ولا يزال لديها أهداف وأطماع في دول المنطقة المستهدفة، وتسببت في تهجير مواطنيها، أصبحت تجني ما انتهجته من سياسات خاطئة وتدخلات في الشؤون الداخلية لهذه الدول، حيث باتت مشكلة المهجَّرين واستمرار تدفقهم تمثل تحديًا اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا واجتماعيًّا، فمن بين هؤلاء المهجَّرين هناك من اندس بينهم من عناصر التنظيمات الإرهابية التي شغَّلتها الدول الطامعة، فضلًا عن الفواتير الخاصة بمكافحة أسباب اللجوء وتوفير الإمدادات للاجئين المهجرين.
فعلى سبيل المثال، ذكرت صحيفة “بيلد” الألمانية الصادرة أمس الأول أن نفقات الحكومة الألمانية على اللاجئين ارتفعت بذلك مجددًا مقارنة بعام 2017 الذي بلغت فيه قيمة النفقات نحو 21 مليار يورو. واستندت الصحيفة في تقريرها إلى تقرير الحكومة “تكاليف اللاجئين والاندماج” المنتظر أن يقره مجلس الوزراء الألماني اليوم الأربعاء.
وبحسب البيانات تم ضخ الجزء الأكبر من النفقات حوالي 9ر7 مليار يورو في مكافحة أسباب اللجوء، كما تم زيادة الإعانات المعروفة باسم “هارتس فير” بأكثر من 4 مليارات يورو. ووفقًا للتقرير حصلت الولايات على 5ر7 مليار يورو لإنفاقها على إجراءات مثل التسجيل وإيواء اللاجئين وقرارات اللجوء ودورات الاندماج. وإذا كان في ألمانيا وحدها فكيف لدى غيرها؟ فمثل هذه التقارير تبين خطأ السياسات الغربية تجاه دول المنطقة، وإذا كانت تعتقد هذه الدول أن ما تجنيه من ثروات من دول المنطقة التي استهدفتها أو تستهدفها وتتسبب في تهجير مواطنيها أكبر مما تصرفه على اللاجئين المهجَّرين، فإن هذا الاعتقاد ليس في محله بالنظر إلى ما يمثله هذا السلوك من خرق للقانون الدولي، وانتهاك لسيادة الدول، وانتهاك لحقوق الإنسان ومتاجرة بها، وهو ما يتنافى مع ما تروج له هذه الدول من سياسات تقول إنها قائمة على احترام حقوق الإنسان والحريات وغير ذلك من المبادئ والقيم.

إلى الأعلى