الأربعاء 26 يونيو 2019 م - ٢٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : الإعلامي المثقّف وضرورات وجوده

في العمق : الإعلامي المثقّف وضرورات وجوده

د. رجب بن علي العويسي

في عالم الفضاءات الكونية المفتوحة، التي شكل فيه الإعلام بكل تفاصيله وأشكاله وأنماطه حضورا استثنائيا، غيّر الكثير من المفاهيم والقناعات حول الإعلام ودوره في مسيرة الشعوب، وأوجد حالة من التداخلات والتقاطعات التي مارس فيها الإعلامي شخصيات مختلفة وأدوار متنوعة تجاوزت في بعض الأحيان حدود الرسالة الإعلامية وقواعدها ومبادئها في بناء مسارات القوة وتأصيل ثقافة التواصل والتعايش والتكامل، وتقوية مشتركات الاحتواء وترقية الوعي وتعميق منهجية الحوار والسلام؛ أصبح الإعلام مدخلا للإشاعة وطريقا لإثارة الكراهية وترسيخا للغة العدائية وأسلوبا في ترويع الآخر وإقصائه وتخويفه، ومارس دور المهيّج لثورات الشعوب، والاعتداء على تأريخ الآخر وهويته وتراثه، في تشويه سافر لمبادئه السامية، واختزال مريب لصورته المشرقة، وإساءة فاضحة تكشف انفصامه عن الواقع وانفصاله عن إنسانية الإنسان، منصات تراشقية بعيدة عن أخلاقيات الإعلام وقواعد عمله، وضربة مهينة في وجه المبادئ الأممية والعلاقات الدولية والقانون الدولي.
ولمّا كان الإعلامي مربط الفرس في القضية الإعلامية برمتها، والطريق لرسم نجاحها أو إخفاقها وهو من يمتلك توجيه مسارها، وتهذيب محتواها، وتصحيح مفرداتها، وإعادة إنتاج قيمها وأخلاقياتها، وإضافة القوة في أدواتها وآليات عملها، وتوفير أرضية اجتماعية داعمة لتفوقها؛ بأسلوبه وثقافته والتزامه وأخلاقياته؛ لذلك كان العمل على حسن إعداده وتنمية مهاراته، وصقل قدراته وتمكينه وتعزيزه بالمعارف والخبرات، واحتكاكه بالتجارب، أولوية يجب أن تنال المزيد من الاهتمام والمتابعة والتأصيل العلمي والمنهجي لها في مؤسسات إعداد الإعلامي ومؤسسات التنفيذ ذاتها في مختلف القنوات الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية، نظرا لما يقدمه جودة المحتوى الإعلامي والحضور الواعي للإعلامي نفسه وما يتميز به من رصانة الثقافة، وحكمة التدبير، وسمو التقدير، وحسن الاختيار، وانتقاء البديل، والحدس بالتوقعات والفراسة والاستكشاف للشخصيات، والتزام منطق الإنجاز الواعي، ووضوح الأهداف، والتعامل مع المواقف الإعلامية، إذ إنها تشكل في صورتها المجتمعة في شخصية الإعلامي، قيمة مضافة لنجاح الممارسة الإعلامية واحترافيتها، وأهم المعايير لتكوين الإعلامي المثقف الواعي بمسؤولياته، الحافظ مبادئه، القائم على حدوده، العارف بالتشريعات والأنظمة وميثاق شرف الرسالة الإعلامية، فيؤدي مسؤولياته نحوها باحترافية، ويصبح حضوره في الدورة البرامجية الإعلامية، بصمة إنجاز في المساحة الإعلامية المرنة الممنوحة لها أو التي يقرأها بين السطور، متحولا من سطحية اللغة الإعلامية الببغائية، إلى صاحب كلمة ومنتج للمعرفة ومؤصل للفكرة وشارح للمعلومة ومفسر للنتيجة بما يضيفه لها من روح التأثير وعمق الفهم، وحس الانتقاء، ووضوح المعنى، لذلك أصبح نجاح أي مؤسسة إعلامية مرهونا بوجود الإعلامي المثقف بكل المستويات الوظيفية (المذيع أو المقدم للبرامج أو المخرج وغيرهم ممن يعملون خلف الكواليس).
من هنا كان واقع العمل الإعلامي وفي ظل ما يعيشه من اتساع وشمولية وعمق، نظرا لطبيعة الموضوعات التي بات يطرحها على الرأي العام، وتعدد الملفات التي أصبحت الرسالة الإعلامية معنية بتسليط الضوء عليها في سبيل تقريب الخطاب الإعلامي من الجمهور، وما تكشف عنه بعض المواقف والحوارات من أثر سطحية ثقافة الإعلامي على اختزال مقومات نجاح المادة الإعلامية ومستوى الإفادة المترتبة عليها، والثقة التي يعكسها لدى الجمهور المتابع له، خصوصا عندما تكون تلك الحوارات واللقاءات الإعلامية مع قامات عالمية ووطنية فكرية وسياسية ومجتمعية ومع متخذي القرار، والشخصيات التي لها حضورها في الساحة الدولية والواقع الوطني، أو ينتظر منهم المواطن تقديم أو الكشف عن معلومات وتوجهات وأفكار مرتبطة بحياته وأمنه ومستقبله المعيشي وأوضاع بعض الفئات والخطط والتوجهات الوطنية في قطاعات التشغيل والقطاع الخاص والباحثين عن عمل، لتصبح ثقافة الإعلامي الرصيد الذي يؤسس لمرحلة نجاح قادمة تستطيع العيش في مجتمع معرفي سريع التغيير ويتطلب المزيد من الفعالية في إنتاج الحلول والبدائل لقضاياه.
وعليه، تصبح ضرورات وجود “الإعلامي المثقف” ليس فيما يمتلكه من رصيد معرفي وفكري وثقافي حول القضية التي يدور حولها الحوار الإعلامي فقط؛ بل في استيعابه لها وتوظيف مواطن القوة فيها، والدخول منها في عمق الحدث أو تقدير الحالة الوطنية، فيحاور ويناقش بكل أريحية، ويعيد توجيه الحوار بطريقة مهنية، ويقف على مواطن القوة في اللقاء الإعلامي، بهدف الوصول إلى انتاج للمعلومات والأفكار التي تصنع منه والاستباقية فيه والشفافية في عرضه؛ قوة في الأداء واحترافية في تنظيم المعلومات والمعارف، وإضافة التفسيرات ووجهات النظر المبنية على نتائج دراسات وبجوث علمية ترتبط بموضوع الحوار أو النقاش أو الملف المطروح في أجندة الحوار الإعلامي. وبالتالي ما يمكن أن تحققه هذه الثقافة المعرفية في إطارها العام من موضوعية في الطرح، وأولوية في تقديم المؤشرات العملية الداعمة لبلوغ الأهداف وأقناع المخاطبين وتوفير خيوط عمل قادمة لتناول الموضوع الإعلامي بشكل أكثر عمقا ومع فئات مجتمعية أخرى، وعندها يشعر المتابع للرسالة الإعلامية بمهنية الخطاب ودقته وإيجابيته وقدرته على التأثير في سلوك المخاطبين واحتواء المواقف، فيصنع منه وجهة إعلامية قادرة على جذب الانتباه وتوجيه الأنظار، والإصغاء إلى ما يطرحه الإعلامي من قضايا تظهر في طريقة تعقيبه وتشخيصه وقراءته للموضوع، وهو ما نعتقد أن على الإعلامي أن يدركه، فكونه أمام الشاشة أو في قلب الحدث لا يصنع منه محترفا إعلاميا، بدون اجتهاد منه يظهر في واقع الفعل تحولات مثيرة في طريقة إدارته للخطاب الإعلامي ودخوله في العمق والتفاصيل، والحدس بما يتوقعه منه الجمهور المتابع، وبالتالي ما يصنعه “الإعلامي المثقف” في عالم المنافسة الإعلامية من رصيد استحقاقات قادمة في محاولة منه لاستراق الأنظار التي بدأت تتجه نحو مشاهير منصات التواصل الاجتماعي و”السوشل ميديا”.
من هنا نعتقد بأن الإعلامي المثقف هو الحل الأمثل في معادلة التوازن في الخطاب الإعلامي، فهو من جهة يمتلك المادة الإعلامية ويستوعب المعطيات الحاصلة والمؤثرات المرتبطة بها، وفي الوقت نفسه يعمل على تكييف هذا المحتوى المعرفي والرقمي ويوجهه لتحقيق النوعية، وتعميق الاستخدام الأمثل لهذه الثقافة والمعلومات وحسن توجيهها في إدارة المواقف وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وإشغال الرأي العام بالتفكير في إجابة عن التساؤلات العميقة التي يطرحها في لقاءاته وحواراته، وإبراز الحقائق والمؤشرات غير المفهومة التي تحتاج إلى استيضاح أكثر لها من المواطن، وبالتالي يصبح تناوله لهذه القضايا وطرحه النوعي الأصيل لها بمثابة تحول في البنية الإعلامية وترقية لمبادئها وأخلاقياتها، هذه النقطة ترتبط بموجهات أخرى تتعلق بالنمط الفكري الذي يؤمن به الإعلامي والخط الذي يسير عليه، والمسار الذي يتعاطى من خلاله مع محددات الرسالة الإعلامية، وترسيخ منظومة المبادئ والأخلاقيات والقواعد السلوكية التي تتجه إليها ثقافة الإعلامي فيصقل معلوماته بمزون الحكمة والموضوعية، ويلبسها ثوب الوقار والاتزان، ويغلفها بروح القيم والأخلاقيات، وبالتالي يتعدى حديثنا عن الإعلامي المثقف المساحة الثقافية والفكرية التي لديه، إلى امتلاك قواعد الاستفادة منها وإبراز القوة فيها وصناعة التجديد في المحتوى الإعلامي ليصل إلى الجمهور بطريقة أكثر جاذبية ومعيارية وحكمة، فيوازن بين الآراء، ويقف عند شواهد الإثبات، ويحترم وجهات النظر، ويعرض فكرته للنقاش والحوار ويمتلك ثقافة الذوق وقراءة ما وراء الأحداث.
على أن المسار الفكري الذي يؤمن به الإعلامي والقناعات المتولدة لديه حول العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وحالة الاندفاع والأيديولوجيات التي يتعامل بها بعض الإعلاميين مع بعض الحالات والمواقف، يؤكد الحاجة إلى أهمية البحث في ثقافة الإعلامي: مصادرها وآلياتها وأدواتها عبر جملة من الموجهات والأطر، فمع القناعة بأن بناء ثقافة الإعلامي عملية مكتسبة، وهي في الغالب نتاج للخبرات والتجارب والمواقف وأساليب المحاكات التي يمر بها، ومستوى اطلاعه وقراءاته ومتابعاته لما يدور في الساحة العالمية والمحلية، والبرامج التي يلتحق بها ومستوى استيعابه لفلسفة عمل السلطة الرابعة والأولويات التي تسعى إليها، والمعطيات التي تعمل في إطارها؛ إلا أنها أيضا مسؤولية مجتمعية ترجع إلى المعايير والتشريعات والأطر والموجهات والاستراتيجيات التي تضعها المؤسسة الإعلامية الوطنية كسقف توقعات لها، ومدى قوة المدخلات التي تضعها في عملية اختيار الإعلامي والمراحل التدريبية والتطويرية والإثرائية التي يمر بها في مرحلة الإعداد في مؤسسات التعليم العالي والجامعات والمساقات التدريسية التي تقدم له وقدرتها على تأطير هذه الجوانب في ثقافته المهنية؛ ومستوى التقييم المستمر لإنجازه وأدائه وتعريضه لمواقف عمل إعلامي رصين وهو على رأس العمل، ليس في أدوات التقييم الداخلية التي تنتهجها المؤسسة الإعلامية، بل أيضا في تقييم المتابع والمخاطب له وتقدير ما يحمله من استحقاقات تميز، والمؤشرات التي تصنعها ثقافته وتفكيره والبدائل التي ينتجها والرؤية التي يحملها في سلوكه الإعلامي، والمنهجية التي يلتزم بها، والقناعات التي يؤمن بها، وحس الكلمة وصدقها وقراءاته وحواراته ومواقفه التي تبرز شخصيته في التعاطي مع وجهات النظر وحالات الخلاف، وكيف يستفيد من نقاط الاختلاف في تحقيق التكامل والبحث في المشتركات، ناهيك عما يمكن أن يقدم له من خلال مراكز التدريب الإعلامي وبرامج صناعة القدرات الإعلامية من جرعات تثقيفية متكاملة في الجوانب القانونية والتشريعية؛ وأهمية تفعيل دور المركز الصادر بالمرسوم السلطاني (3/2018) وأهمية وجود مختبرات وطنية للتحليل والرصد الإعلامي الذي يعمل بدوره على تقييم ورصد البرامج والدورات البرامجية الإعلامية وقدرتها على صناعة حضور لها في واقع المجتمع، ونوع البرامج التي يحتاج، والنسبة التقييمية التي توجه لرصد رأي الجمهور في ثقافة الإعلامي وقدراته واستعداداته وجاهزيته، بحيث تعطي صورة واضحة حول المنتج الإعلامي المقدم، وعمليات التأطير لها في التزامه بالتشريعات الإعلامية الوطنية وميثاق شرف المهن الإعلامية والمواثيق الاخلاقية الإعلامية الدولية.
وبالتالي فإن التحولات الإيجابية التي شهدها الإعلام الوطني في السنوات الأخيرة على مستوى البرامج المطروحة، أو على مستوى الكادر الإعلامي ودخول وجوه إعلامية شابة وطموحة في ميدان العمل الإعلامي، وما يمكن أن تقدمه من أطر برامجية متكاملة تنطلق من الواقع وتشخصه، وترسم شخصية الإعلامي العماني في شغفه وطموحه وحسه الوطني؛ بحاجة إلى توفير سياسات وطنية واستراتيجيات إعلامية طموحة لصناعة “الإعلامي المثقف”، بما يعزز من كفاءة الثقافة التي يمتلكها ورصانة الأدوات ومنهجيات العمل بحيث تبني فيه قوة الحدس والفراسة والتحليل وعمق الرصد وإدارة المواقف الإعلامية، فإن المأمول وفي ظل تعدد القنوات الإعلامية وتزايد دور منصات التواصل الاجتماعي كمنافس قوي في إنتاج الإعلامي المثقف وصناعة الشخصية الإعلامية؛ العمل على إعادة هندسة البناء الثقافي والفكري لثقافة الإعلامي الوطني، وتبني أدوات تقييم هذه الثقافة وفق نماذج محاكاة وتشخيص دقيقة، فهل سيتجه العمل القادم في وزارة الإعلام وما تقدمه من تشريعات واستراتيجيات للأداء الإعلامي الرصين، لتضيف إلى جهود الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، منصات أكثر مهنية ومسؤولية في ترقية البناء النموذجي للإعلامي العماني؟

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى