الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ويأتيكَ بالأخبار..

ويأتيكَ بالأخبار..

علي عقلة عرسان

الحرب تدق الأبواب في منطقتنا بابا بعد باب، ويستجيب لداعيها مَن لا يرى أبعد من أنفه، ومَن يحفر قبرَه بظلفه، ومن يختار أن يكون مطية لغيره؟!.. والحرب يسببها ويصنعها ويديرها المنتفعون بها.. ومنهم مَن يُرى بالعين المجرَّدة، ومن يحتاج إلى عيني زرقاء اليمامة، ومجهر مخبري، ومن نتائجها ما تدركه العقول وتتدبره الأفهام ليتم تلافيه ولكن مشعلي النار يتناوبون الغابة البشرية وغالبا ما ينجحون..
والحرب عند بعض القاصرين الوالغين فيها والمسوقين إليها “مَطْهَر تدخله الأوطان والشعوب، وتتقحَّمه الأنفس والأرواح، لتطهُر وتَبرى، وتخرج منها وقد تخلَّصت من الأدواء وآلت إلى الصحة الأمن والسلم، ومواجهة متطلبات العصر باقتدار”؟! وتلك أعظم المصائب التي تُبتَلى بها الأمم والبلدان، ويبتلى بها البشر على مر التاريخ.. فالحروب كوارث، ولا تبرئ من أدواء بل تسبب كل داء.. وكل تجارب البشر تشير إلى ذلك.. فالحروب كوارث، “دَمٌ ينزف، ودمار يجتاح، وألم يعتصر القلوب، ومآسٍ تصيب الخلق، وموت يتخطف الناس، وتشرد وتآكل وعذاب.. تستنبت الأحقاد والكراهية، وتؤسس للفتَن، وتؤسس لحروب أو “لسلام ما بعده سلام”.. وقودها الناس والعمران والأوطان والقيم.. ولا يفرضها على الناس ويسعى إليها إلَّا معتوه مفتون بالقوة، مسكونٌ بالعنصرية والكراهية والتطرف، مفلسٌ أخلاقيا ووجدانيا وروحيا.. أو تاجر سلاح جشع يطرب لإراقة الدم وأنين الجرحى ونوح الثكالى.. وكل مِن أولئك وأشباههم لا يردعون بحروب هي حقولهم الخصبة، بل بإبطال كيدهم، وكساد بضاعتهم، وتسفيه آرائهم ودعواتهم، والوعي بمكرهم وأساليبهم، وتعريتهم واحتقارهم بوصفهم أعداء للبشرية كلها.
أولئك تجار الحروب الجشعون للمال، الغاية عندهم تبرِّر الوسيلة، والناس حطب مواقدهم، يلوثون البيئة والأنفس والقلوب، ويبيِّتون في الذاكرة والوجدان، الفردي والجمعي، ما يفسدهما لقرون من الزمن.
ويتساءل المرء، والحرب تؤرجحه بين ضفتي هاوية، وتفضي به من كارثة إلى أخرى، ويتداوله ساسة وتجار من هذا النوع وأصحاب أحقاد وأطماع وعقول قاصرة عن وعي قيمة الأمن والسم للإنسان، يتساءل: ما جدوى النُّذُر حين تنفلت الغرائز من عقالها، وحين يصبح تاجر الموت آمرا، والقتل لغة حوار، والتآمر وسيلة تغيير، ولسان الظاهر ستائر عفَن الباطن، والدم مخاضة كل طرف من أطراف الحرب/الكارثة/الفتنة!؟ وكل أولئك الأطراف والفرقاء في النتيجة يتقاتلون على جثث المدنيين والأبرياء، ويدمرون العمران والأوطان والقيم والإنسان، ولا تأخذهم بغيرهم ولا بأنفسهم رحمة، ولا ترتفع بينهم نأمة حكمة، ويديرهم بين حجري الرحى، تاجر سلاح عنصري صهيوني معتوه، يفتك بهم ليحقق مصالحه ويبقيهم لا شيء؟!
في مثل تلك الأحوال.. تغيَّب العقول، وتضمُرُ الضمائر، وتُزدرى الحكمة، وتهمَّش كلُّ الآراء التي تدعو إلى استقلال وأمنٍ وسلمٍ ووعيٍ وعيشٍ أفضل، ويفسد المناخ الذي تتوالد فيه الأفكار النيرة والإرادات الخيِّرة.
أهل الحكم والقرار يحتكمون للقوة المدمِّرة وليس للعقل والمنطق البناء والمصلحة العليا للناس والأوطان.. تأخذهم العزة بالنفس، فيصرفون البلايين على داعي الحرب وأسلحتها وأدواتها وكل ما يدمر البنيان ويبيد الإنسان.. ولا يضعون، أو لا يُسْمَح لهم أن يضعوا عُشْرَ معشار ما ينفقون في الحروب ومن أجلها، لحماية الإنسان من سطوة القوة، ومن الجوع والمرض والجهل، والاستثمار فيه لتنمية وعيه وعلمه وكل ما يحميه ويقويه ويرفع من شأنه، ويرتفع به في ميادين العلم والعمل، ويعيش الحياة براحة، ويشعر بنعمتها ومعانيها وتكاليفها..
إنهم يرفعون بشرا أصناما، ويسفكون دما بشريا بريئا على مذابحها، ويُعلون شأن العدو القاتل، المسؤول الفاشل، والفاسد الآمر.. ويهرولون خلف العنصري البغيض، والمُعتدي المُحتل، ويخدمون مصالح مَن لا يرون فيهم أناسا يستحقون الحياة.. يضعونهم فوق الحق والعدل والدين، وفوق المصالح العليا للشعوب والأوطان..
وترى رأس العنصريين الطغاة، الهمجي النَّهاب الكذوب، يرمَح في أرض الله ويفتك بعباده، ولسان حاله يقول: “قولوا ما شئتم، ونفعل ما نشاء، نحن القوة وأنتم الضعفاء، وما بأيديكم لنا، وما أنتم إلا وكلاء..”؟! ونتيجة لذلك، ترى “الوكلاء الأوصياء على الناس وما يملكون؟!”.. تراهم يضطهدون الخلق ويفقرونهم ويحاصرونهم ويُرهبونهم ويدفعونهم إلى ميادين الحرب بالوكالة، والكوارث والإبادة بالأصالة؟!..
هناك أرحام فتية تُجِنُّ عقولا معتلَّة، تنتج لنا من الأفكار والآراء والسياسات والخطط والممارسات ما يبدو: “مبهرا للعيون، مُزَيِّنا للحرب، مغريا بالفتنة، مؤسسا للدمار، مدمرا للمنطق، مضللا للخلق، ومفضيا إلى مزيد من الفوضى وخراب البلدان وتقسيمها، واعتلال الأنفس والقلوب والأرواح وتبريحها.. ممّا يريح العدو العنصري الصهيوني المحتل، ويعزز هيمنته، ونشوة مَن يستظل بظله، ويأتمر بأمره ويواليه، ويستمطر رضاه.. وعلى من ينتظر هذا وأكثر منه أن ينتظر ما تتفطّر له الأكباد ويشقى به العباد.. فالعواصف الهوجاء على الأبواب، ولن تترك بابا يفلت من قبضتها، وقد تقتلع الكثير منها، وتأتي على مَن يظن أنه بعيد عنها.. ففصل الكوارث خريف يناوش شتاء قاسيا ذا زمهرير.. إن ساسة في رحم العقم يزينون الحرب ويصَعِّرون وجوههم لها، ويلمعون أقوالا وأفعالا ويُلغِّمونها، بينما تصخب الفتنة في داخلهم ولا يرعوون.
ومن شأن وضع كهذا، أن يبقينا، ونحن في معزل، كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.. يلهث في صحراء الوقت ولا ماء ولا شفاء.. فلا عقل ولا حكمة ولا قيمة عندما ينطلق الجنون والحقد حربا.. وعندما تتفاعل الإرادات بعتاد وعناد.. لا دفء يومذاك لشعب يتعرّى في مهب الريح ويدعو الآخرين، بمن فيهم أعداؤه، إلى التدخل في شؤونه ليريح ويستريح.. فمَن يَؤزُّ النار لا يطفئها، ولا يختار إلَّا ما “يصلُح له ويشفي غليله”..
وأمام هذا الواقع ليس بوسع مأمورين وأسرى كثيرين، إلا أن ينساقوا وراء خيارات يُجمعون لها، ويتعيَّشون عليها، وينزفون ويُستنْزَفون على دروبها، ويضرعون إلى الله ويصبرون، وهم يثغُون و”رعاتُهم” لا يسمعون، بل يبشرونهم ويستبشرون؟!.. ( كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ (16)- سورة المعارج.
مَن يُرد المعرفة فقد وصله ما يكفيه من المعلومات والأخبار والتحليلات عن الحشود والتحالفات والقرارات والمخططات، ويمكنه أن يستنتج النتائج ويفهم المقاصد، ويدرك ويقرر، ويكوِّن رأيا أو يرسم صورة أو يحدِّد موقفا.. ومن ينتظر المزيد فسيأتيه المزيد مرقوما بالدم.. فالأيام حَبالى، والأحداث ولود، والصفوف تراصّت وتباينت واختارت وتمترست وراء خياراتها.. والإسلام هدف والمسلمون وقود.
ألا إن الحرب/الكارثة.. أراها قادمة وأكاد أنكرها، استنكرها، وأدين مَن يسعى إليها، وأطلب ممَّن لا يريدها أن يسعى ويسارع إلى وأدها بكل قوة وحرص، كما أدعو إلى التصدي لها بمسؤولية أخلاقية وإنسانية عالية، ووطنية رفيعة المستوى، وحنكة فائقة، واستقراء لمصلحة العرب والمسلمين وأهل المنطقة أجمعين.. الحرب/الكارثة “فتنٌ ومحَنٌ”، وهي قادمة إذا بقيت هذه التوجهات والمؤامرات والسياسات والممارسات قائمة.. ومن يعش يرَ.. وكما قال طَرَفَةُ بن العبد:
ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلا
ويأتيكَ بالأخبارِ من لم تُزوِّد

إلى الأعلى