الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / كيف يحررنا الصيام من عبوديتنا للعادات؟
كيف يحررنا الصيام من عبوديتنا للعادات؟

كيف يحررنا الصيام من عبوديتنا للعادات؟

لا ينبغي أن نتصور أن عبادة الصوم عندنا ـ نحن المسلمين ـ هي مجرد عبادة سلوكية نبتغي من ورائها ثوابا عظيما وإن كان هذا الثواب متحققا، لكن يجب أن نتفهم الفلسفة الكامنة وراء هذه العبادة التي تأمرنا بها الشريعة مرة واحدة في العام طيلة شهر كامل، سواء أتى هذا الشهر في الشتاء القارص أو في الصيف القائظ.
في تصوري أن فوائد الصيام متعددة تبدأ عند الفرد ولا تنتهي عند المجتمع المحلي، بل تتسع لتشمل المجتمع الإنساني أجمع، وعدم ظهور تلك الفائدة وهذه المنافع أو عدم لمسها إنما هو أمر لا شك يعود إلى تطبيقنا ونظرتنا لتلك الفريضة لا إلى فلسفتها وحكمة تشريعها.
وقد ملأ القدماء والمحدثون أطنانا من الأوراق فيما يخص فوائد الصوم الروحية والسلوكية والطبية، بل إن الأخيرة كانت هدفها ومقصدا للعشرات من الدراسات الطبية التي نسمع عنها كل عام وهي تعدد فوائده على الجسم وإعجازه، وهي قطعا محقة في ذلك. فالشارع الحكيم لم يشرع لنا عبادة من العبادات إلا ونجد لها فوائد تفوق تصوراتنا البشرية المحدودة.
والصوم عبادة من أجل العبادات وأعظمها أجرا بالطبع، فكيف نشعر نحن المسلمون بأهمية هذه العبادة في حياتنا اليومية؟ أو بمعنى آخر ما هو الأثر المرتجى حدوثه من وراء صيام رمضان أو الثقافة التي يرسِّخها رمضان في مجتمعاتنا؟
أسئلة بسيطة لكن الإجابة عليها تمثل معضلة حقيقية، لأن كل عام يأتي رمضان ونفرح به ونعلق له الزينة، ونجهز له ألذ المأكولات وأطيب المشروبات، ثم ما يلبث إلا أن ينتهي الشهر الفضيل ونفرح بالعيد ولا أثر تركه لنا رمضان، ولم يشعر العالم برمضاننا اللهم إلا مشاهد الإفطارات الجماعية، سواء في الدول الإسلامية أو في الغرب لدى الجاليات الإسلامية، كما لم يغير فينا نحن الصيام من شيء يذكر اللهم إلا بعض الروحانيات التي تنتهي بانتهاء الشهر عند أغلبنا.
إننا بحاجة لأن نفهم كيف يحررنا صيام هذا الشهر من عبوديتنا للعادات التي أدمنها طوال العام، إنها فريضة تأتي لتقضي على هذه العبودية وتكسر كل الثوابت التي مشينا عليها طوال العام وتعلن أن لا عادات ثابتة في هذا الشهر، لا طعام أو شراب متى شعرنا بالاحتياج له، بل هناك وقت محدد لذلك، حتى الاقتراب من زوجاتنا له وقت محدد، تكليف يقترب من أن يقول مباشرةً للإنسان المسلم إنك حر، لن تكون عبدا لعادة أبدا، تكليف يشعرك بإنسانيتك وعزيمتك وإرادتك الحديدية، تكليف يربي فينا روحا لا تركن إلى مستحيل أو تستعظم أمر مهما بلغت مشقته أو صعوبته.
ويقول المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي عن الصوم إنه “الانقطاع الطَّوعي عن الإيقاع الحياتيِّ، وتأكيدُ حرية الإنسان بالنسبة إلى ذاته ورغباته”.
إذن فالصوم لا بد أن يرسخ عندنا أننا لسنا عبيدا لغرائزنا وشهواتنا، بل نحن عبيد للإله خالق هذا الكون ومسيره، إننا لسنا أسرى عادات وسلوكيات، إننا قادرون على قهر الغرائز وهزيمة الشهوات انتصارا للحق واتباعا للدين الحنيف، فنحن بحاجة إلى هذا الصيام الحقيقي الذي ينعكس تأثيره الإيجابي على كل فرد.

إيهاب حمدي
كاتب مصري
ehhamdy5@gmail.com

إلى الأعلى