الإثنين 17 يونيو 2019 م - ١٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام «12»

مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام «12»

منشأ الاحتياج إلى (العدالة الاجتماعية): إن معرفة (عالم الذات والنفس) يعد مفتاحاً أساسياً بل ورئيسياً لأجل الوصول إلى (تحقيق الحقوق الإنسانية) بل وغير الإنسانية أيضاً، والآن سنحاول التعرف على علاقة هذه (الذات) وتحقيق العدالة فيها بـ(العدالة الاجتماعية) إن شاء الله تعالى، ولقد تعرفنا أن الإنسان يتكون من جنبتين .. والآن سوف نضع بعض اللمسات على تلك الجنبتين بلحاظ ما للبحث من المسائل المتعلقة بهما بإذنه تعالى.
المتطلبات الإنسانية: فبالنظر إلى حركة الإنسان في عالم متطلباته واحتياجاته لوجدناها تنقسم إلى قسمين، القسم الأول: المتطلبات المادية، والقسم الثاني: المتطلبات المعنوية.
فإما في المتطلبات المادية فقد اثبت وبنسبة كبيرة أنه استطاع أن يحقق لنفسه النمو والتنمية والتطور، فإن حاجته في الأمن والسلامة جعلته يتخذ من بيوت بسيطة بدائية بيوتاً تحفظه من الهوام والحيوانات الكاسرة ومن المطر والوديات .. إلخ، وكذا الحال في الثياب والأكل والنقل والاتصال وغيرها من الأمور المادية.
ولكنه .. في قسم المتطلبات المعنوية لم يتمكن أن ينجح كما استطاع النجاح في القسم الأول، فإنه وجد أن ما تطلبه فطرته من الكمال المطلق هو نفس ما تطلب فطرة غيره أيضاً، فوقع التزاحم في الحاجات والمتطلبات، ومنها انتقل الحال إلى التنافس ومن ثم إلى الصراع، وبعده إلى نشوب حرب بين بني البشر، واستدعى هذا الأمر إلى ضرورة وضع قانون ينظم الحياة الاجتماعية، فيحفظ حق الجميع، ويتمكن من وضع حل لحالة التزاحم، وبالتالي يقدم للجميع حلولاً قد تتطلب منهم أن يتنازل كل منهم بعض الشئ عن رغبته في الضروريات الحياتية فضلاً عن التنازل لكثير من الكماليات، وما كان معتمد القانون الوضعي في إرساء السلامة والسلام بين بني البشر سوى (العدالة)، والتي تعرف بـ(العدالة الاجتماعية).
فيتضح إذن أن مبدأ (العدالة) هو الحل لإشكالية التزاحم التي وقع البشر فيها في حياتهم الاجتماعية، ولكن .. سترد هنا مجموعة من التساؤلات المهمة، وسنختار إثنان منها وهما يحتلان الصدارة فيها: هل مبدأ العدالة خارج عن عالم (فطرة) الإنسان أم هو من صميم عالمه؟ وهل هذا المبدأ موافق لطبيعة ما تريده الفطرة من إشباع رغبتها الوجودية في تحقيق كمالها الذي صممت عليه منذ خلقتها أم لا؟.
فالسؤال الأول ناظر إلى أصل المبدأ، والسؤال الثاني ناظر إلى ما يمكن أن يحقق له هذ المبدأ من متطلباته الفطرية، أي أن السؤال الثاني يرى تمامية المبدأ إلا أنه ينظر إلى إمكانية تحقيقه، وبرغم أهمية هذا البحث إلا أن الجواب عليهما سيخرجنا عن مورد بحثنا، فاقتصر الكلام بإطلالة على السؤال الأول فقط.
إن أي مبدأ ذو جنبة (فضائلية) إيجابية لا يمكن أن يكون منتزعاً من خارج (الذات) ـ وقد تقدم بيانه سابقاً ـ فإن المحور في عالم التكامل هي (الذات)، فيبغي أن تكون هي علة الانتزاع لكل ما يحقق ذاتها، وإيجاد الإنسان لـ(مبدأ العدالة) في عالمه الخارجي ليس إيجاداً من عدم بل هو من رغبة من عالم ذات الإنسان، وهذا يكشف أن المرء في صميم تركيبته الوجودية يعرف حقيقة العدالة، وهي غير أجنبية عليه، بل هو منسجم مع حقيقتها وكنهها ذاتاً، وهذا الأمر سيوقفنا على حقيقة أخرى وهي: أن هذا الكاشفية توقفنا على كون (مبدأ العدالة) ينبغي أن يكون بحد الممارسة والتداول في داخل (مملكة الذات والنفس) أولاً وبالذات، وهنا سيطرح هذا التساؤل: هل تمارس (الذات) (مبدأ العدالة) في عالمها قبل خروجه إلى العالم الخارجي أم لا؟!، وإذا كان الجواب إيجابياً .. فكيف؟!. .. فهذا ما سوف نتعرض إليه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

إلى الأعلى