الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصدقة من كرامات الله لعباده «2»

الصدقة من كرامات الله لعباده «2»

قال الله تعالى:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة ـ 274).إن الصدقة فضلها عظيم وطرقها كثيرة والتي لم يحدد الله لها وقت معين أو مقدار معين، والصدقة من أعظم وسائل التقوية بين أفراد المجتمع، عن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(على كل مسلم صدقة، قال: أرأيت إن لم يجد، قال : يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: أرأيت إن لم يستطع، قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قال : أرأيت إن لم يستطع، قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيت إن لم يفعل، قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة)، ومن حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى).
الصدقة أبوابها متعددة حتى يستطيع كل مسلم في اكتساب الاجر والثواب، أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)، وبالصدقة تشفى الكثير من الأمراض، والرسول (عليه الصلاة والسلام) يقول:(داووا مرضاكم بالصدقة)، فيا من يصارع المرض .. يا من قطعه المرض عن الناس .. يا من كل مبتلى ويا كل مهموم .. يا من لا يرتاح ولا يهدأ في منامه، وألبسه المرض بدل العافية، ومستعد يدفع كل ما يملك ويتمنى الشفاء، وأنت في حسرة وتسكب العبرات تلو العبرات وقد أرهقك المرض وقد طرقت كل أبواب الأطباء ولم تحصل على العلاج وتناسيت عن أعظم دواء ناجحاً ومضموناً أنها الصدقة هذا الكنز العظيم الذي لم يهتم به بعض العباد، فعليك بهذا الدواء الناجح والفعال لكل من يقاسى الأمراض.
ولعظم الصدقة وفضلها هذا حال السلف مع الصدقة: قال علي ـ رضي الله عنه وكرّم الله وجهه:(من آتاه الله منكم مالاً فليصل به القرابة، وليحسن فيه الضيافة، وليفك به العاني الأسير وابن السبيل والمساكين والفقراء والمجاهدين، وليصبر فيه على النائبة فإن بهذه الخصال ينال كرم الدنيا وشرف الآخرة)، وكان الفضيل بن عيّاض يقول: نعم السائلون يحملون أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة! حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله تعالى!، وكان سفيان الثوري ينشرح إذا رأى سائلاً على بابه، ويقول: مرحباً بمن جاء يغسل ذنوبي!، وقال ابن القيم: فإنَّ للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو من ظالم بل من كافر فإن الله تعالى يدفعُ بها عنهُ أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهلُ الأرض كلُّهم مقرُّون به لأنَّهم جرَّبوه. وقال كذلك ابن القيم: في أسباب شرح الصدر: ومنها الإحسانُ إلى الخلق ونفعُهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرحُ الناس صدرًا وأطيبهم نفسًا وأنعمُهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيقُ الناس صدرًا وأنكدهم عيشًا وأعظمُهم همًا وغمًّا، وقال:(..بل ها هنا من الأدوية التي تشْفي من الأمراض ما لمْ يهتد إليها عقولُ أكابر الأطباء، ولم تصل إليها عُلومُهم وتجاربهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية وقوة القلب واعتماده على الله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه والانطراح والانكسار بين يديه والتذلَّل له الصدقة والدعاء والتوبة والاستغفار والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جرَّبْتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء ولا تجربته ولا قياسه)، ولقد كان ناس من المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين ـ رحمه الله ـ فقدوا ما كانوا يؤتون به من الليل، وكان عروة بن الزبير ـ رحمه الله ـ إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه، فيدخل الناس فيأكلون ويحملون، وكان إذا دخله ردد هذه الآية:(وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) (الكهف ـ 39).
وللصدقة آداب عديدة نذكر منها:
1) ـ عدم إبطال الصدقة بالمَنِّ والأذى، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة ـ 264)، بل يرى أنَّ المِنَّة لله تعالى أولاً، إذْ أعطاه المالَ، وأنعم عليه، وخلَّصه من شُحِّ النفس، ثم إنَّ المؤمن العاقل، يرى أن المحتاج هو صاحب المِنّة عليه، إذْ قَبِلَ منه صدقته، وأتاح له فرصة اكتساب الأجر والثواب من الله تعالى، وكان بعض الصالحين يقول: (واللهِ، إني لأرى الفقيرَ صاحب مِنةٍ عليَّ، ولولا أن الله عز وجل جعله يقبل صدقتي؛ لَحُرِمت الأجر والثواب من الله تعالى)، وعلى المُتصدِّق أن يُسِرَّ بصدقته ما استطاع، إلاَّ إذا كان في إعلانها مصلحة راجحة، قال الله تعالى:(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة ـ 271)، وأخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظله:(رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ) (رواه البخاري ومسلم).
2) ـ أن تكون الصدقة من كسب طيب، أي: من مال حلال، فإن ذلك سبباً في قبولها، ونماءِ أجرها، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ ـ وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ ـ إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) (رواه مسلم).
3) ـ أن يتحرَّى بصدقته المحتاجين حقًّا، ولا يُعطيها لِمَنْ لا يعرف، فالزكاة الواجبة لا تصح إلاَّ لأهلها، وقد بيَّن الله تعالى أصناف المستحقين للزكاة:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 60).
4) ـ تقديم ذوي الرحم إن كانوا من ذوي الحاجة، ولا يوجد مَنْ يصلهم بالمال، فحقُّهم أعظم من حق غيرهم، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) (صحيح – رواه الترمذي والنسائي)، وكلما زادت درجة القرابة كلما زاد أجر المتصدق على صدقته.أخي المتصدق: كن من المخلصين من صميم قلبك عند التصدق ليكن ثواب هذا العمل أعظم وانفع لك في الدنيا والآخرة والرسول (عليه الصلاة والسلام) ذكر في الحديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والذي ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منهم: (ورجل تصدَّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله.

إلى الأعلى