الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب فن إذابة الألم

رحاب فن إذابة الألم

أعرف رجلا تجاوز عمره العقد الخامس، أمي لا يقرأ ولا يكتب، يعمل بوظيفة عامل في إحدى الشركات، وكسائق حافلة مدرسية اثناء ذهابه الى العمل، فينقل مجموعة من الأطفال في حافلته الصغيرة ثم يعيدهم في منتصف اليوم الى بيوتهم، وبعد ذلك كان يستأنف عمله في الشركة. يتميز هذا الرجل بحضور الذهن، والتفاؤل وحب الحياة، وللناس. بسيط جدا، لا يفك الحرف، لكنه ذكي بالفطرة، متدين من غير غلو، يستمتع بالحياة في حدود المباح، يعشق الرحلات الخلوية، ويعيش الحياة بروح الطفل، اكتشف من غير مقدمات أنه مصاب بأكثر من مرض حسب ما أخبره طبيب الشركة التي كان يعمل فيها، فهو مصاب بفشل كلوي، ومعرض للجلطات القلبية باعتباره مدخن شرس، فضلا عن سوء مشاكل صحية أخرى كسوء الهضم وغيرها، لكن هذا الرجل عندما خرج من العيادة قذف بجميع الأدوية في (درام الزبالة) واستأنف الحياة وواظب على عمله، دون أن يتحد مع الألم. كان يراقب جسده، ويلاحظ الألم؛ يراه ويسمعه ويشعر به، يدركه تماما، ويتتبع تحركاته داخل حقول الطاقة في جسده. هكذا كان يفعل بالفطرة، وغالبا ما كان يمارس ذلك وهو يسوق الحافلة أو عندما يكون في رحلة مع أصحابه أو عندما يلعب لعبة(الثبت) مع أصدقائه في بعض أوقات فراغه على شاطئ الدهاريز. كان وعيه الحاضر يقود الألم كما كان يقود حافلته، ينشط الألم وهو يراقبه وينفصل عنه ولا يلتصق معه ولا يرتبط به، ولا يتطابق معه، وكأنما يخاطب الألم بقوله (لكم دينكم ولي دين) لك طريقك الذي لا أعترضه لكنني لن أسمح لك بأن تستوطن عقلي ولن أصادقك ولن أتحالف معك، خذ طريقك يا ألم وانصرف، لقد تلقيت رسالتك، واستوعبت مقاصدك.
كان متواصلا واعيا مع جميع أعضاء جسده، يستشعر الحياة في عينيه وفي قلبه وفي أذنيه وفي بطنه وفي يديه ورجليه وفي ظهره ومفاصله وعموده الفقري وحتى شعره، ووجوده. المدهش أن هذا الرجل الأمي يفعل ذلك كله بدون أن يحضر دورات في فن التأمل والتركيز أو في العلاج الذاتي أوفي مجال من مجالات التنمية البشرية، هكذا طور وعيه الصافي هذه التقنية وصار يمارسها كسجية.
كان حارسا واعيا جدا لكل ما يسري في جسده ولكل ما يدور في عقله.
كثيرا ما كنت أسمع جيرانه وأصدقاءه يتندرون عليه فبعضهم يسخر منه، وبعضهم يُعجبون به، والبعض الآخر يتساءلون عندما يشاهدونه يخوض تلك الملاحم الصحية دون أن يأخذ يوما واحدا أجازه مرضية بل كان يتعهد المرضى الآخرين ويرافقهم الى المستشفيات ولم يكن يمتلك المنطق أو الاقناع لكي ينقل اليهم تجربته.
والعجيب أنه لا يأخذ بنصائح الأطباء الذين يحظرون عليه أنواعا معينة من الطعام ويمنعونه من التدخين، ويضعون له معاهدات طبية عليه أن يلتزم بها، لكنه يرمي بكل ذلك عرض الحائط.
عندما بدأت أتعلم أبجديات الشفاء الذاتي، استنتجت مما قرأت ومما درست وطبقت أن هذا الرجل يُذوّب الألم الجسدي من خلال عدم التطابق معه، فهو مستقل عن الألم بوعيه وبحضور تركيزه على ما يحدث في جسده من آلام دون أن يتطابق معها ويصبح جزءا منها. لقد احتفظ بدوره كمراقب لما يحدث، ولم يتقاتل مع الألم. كان يتركه يأخذ دورته وهو يراقب حقل طاقته، ويتابع سيره بوعي وإدراك وانفصال حسي وذهني، ثم ما يلبث الألم أن يرحل ويستعيد جسد الرجل صحته وعافيته.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى