الأربعاء 26 يونيو 2019 م - ٢٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مقاولة القرن

مقاولة القرن

أحمد مصطفى

أليس غريبا فعلا أن تعلن الولايات المتحدة عن مؤتمر اقتصادي حول الشق الرئيسي في مبادرتها للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين دون أن تخبر الفلسطينيين به من أساسه؟ صحيح أن لا شيء مستغرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يبهر العالم يوميا تقريبا خصوصا على تويتر، وصحيح أيضا أن السلطة الوطنية الفلسطينية أوقفت الاتصالات مع الأميركيين منذ أعلن ترامب قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس وتصديق واشنطن النهائي على ضم سلطة الاحتلال للمدينة المقدسة التي احتلت عام 1967. لكن أيضا لا يمكن لجاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس ومستشاره والمسؤول عن خطة السلام المزعومة، أن يتجاهل الطرف الثاني في الصفقة إلا إذا كانت تلك صفقة مع الإسرائيليين وآخرين وليس للفلسطينيين نصيب فيها.
والمثير للسخرية حقا أن إسرائيل، بدعم أميركا وإلى حد ما أوروبا، نجحت في السنوات الأخيرة من تحويل القضية المركزية في المنطقة من “صراع عربي إسرائيلي” إلى “مشكلة إسرائيلية فلسطينية” لإخراج العرب من المعادلة. أما الآن، ومع إدارة ترامب التي تزايد على اليمين الإسرائيلي المتطرف في دعم الاحتلال، فالمشكلة كلها هي إسرائيل فقط وحاجتها لدعم العرب برعاية أميركية. أما الفلسطينيون فليكن مصيرهم كما في فيلم كوستا جافراس الشهير “حنا كوفمان” ورد المستوطن الصهيوني حين يسأله زوج حنا الفرنسي عن العرب: “عندنا شوية منهم في فناء المجمع”!!! ولا جدال في أن الولايات المتحدة توقفت منذ فترة عن لعب دور الوسيط في الأزمة الرئيسية في منطقتنا، وكل ما فعله الرئيس ترامب أنه عبر عن هذه الحقيقة بوضوح فج بقراراته الاعتراف بضم القدس وضم الجولان السوري المحتل لسلطة الاحتلال واستعداده أيضا للمصادقة على ضم أغلب الضفة الغربية التي تملؤها المستوطنات اليهودية.
مع ذلك، يظل المؤتمر الاقتصادي الذي سيعقد في العاصمة البحرينية المنامة نهاية الشهر القادم أهم ما في خطة السلام الأميركية المزعومة كما قال مسؤولها ومروجها كوشنر أكثر من مرة مؤخرا. ومن الصعب تصور أن يكون مقترح “السلام الاقتصادي” هذا منطقيا ومقبولا وهو يتجاهل الفلسطينيين. ربما يرى كوشنر ومعه مبعوث ترامب للمسألة جيسون جرينبلات وسفير أميركا في إسرائيل (وهو صهيوني أكثر من الصهاينة) ديفيد فريدمان أن السلطة الفلسطينية لا تصلح طرفا في هذا السلام الاقتصادي. لكن يبقى السؤال من إذا سيمثل الفلسطينيين؟ بالتأكيد ليست البحرين، ولا العرب الذين سيشاركون في المؤتمر. الواقع إذا أن تلك ليست صفقة ولا خطة سلام ولا يحزنون، إنما هي “مقاولة” بزنس مما يبرع في ترامب وكوشنر هدفها الرئيسي إنعاش اقتصاد إسرائيل وفتح أسواق المنطقة العربية أمامها وبعض المكاسب لكوشنر وعمه من سمسرة في مشروعات ضخمة. وليس في ذلك افتراء ولا مبالغة، ففي إحدى جلسات الإيجاز لكوشنر في المنطقة قبل أسابيع وهو يجوب المنطقة يروج للمقاولة سأله أحد الحاضرين: وماذا ستفعل إذا فشلت الصفقة؟ فكان رده العفوي المباشر: “عندي بزنس تاني أرجع أشتغل عليه”.
وبما أن كل ما ذكر عن وجود شق سياسي للصفقة المزعومة لا يعدو كلاما ضبابيا مبهما يركز على تجاوز كل أفكار الماضي والتعامل مع الواقع على الأرض، فلا يتوقع أحد شيئا ذا معنى عن الأسس المعروفة لأي تسوية في المنطقة. المهم هو المشروعات، والتي يعد كوشنر البعض بأنهم سيستفيدون منها وأنها ستجعل حياة الفلسطينيين من الرغد بحيث ينسون القدس والحدود والدولة والضفة وغزة وحق العودة .. إلى آخر ما ناضل الفلسطينيون من أجله لما يقرب من قرن. بعض التقديرات تضع تمويل المشروعات المقترحة عند نحو سبعين مليار دولار، تدفع الدول العربية النفطية سبعين في المئة منها وتدفع أوروبا عشرين في المئة وتتحمل أميركا العشرة في المئة الباقية. والأخيرة ستكون في الأغلب مجرد خطوط ائتمان للشركات الأميركية الاستشارية وغيرها التي ستعمل في تلك المشروعات العملاقة. أما المشرف على المشروعات ومن سيديرها بالطبع فهو إسرائيل (أي لها النصيب الأكبر من المكسب والعمولات وإنعاش اقتصادها).
يمكن بالطبع لبعض الفلسطينيين، ممن يستجيبون لكوشنر وجرينبلات وفريدمان، أن يستفيدوا قليلا بمقاولات من الباطن من المقاولة الرئيسية التي تقودها إسرائيل بمساعدة أميركية وتمويل عربي ـ أوروبي. وهناك وعود غير واضحة باحتمال استفادة الأردن ومصر ولبنان من بعض المشروعات، وهي وعود تعني ببساطة أن استفادة أي منهم ستكون بقدر نسيانه لموضوع فلسطين والفلسطينيين. هل يرى أي عاقل أن تلك المقاولة تصلح، حتى من باب مقاولات البزنس الصرف دون أي سياسة؟ وهل يمكن وصف تلك المقاولة بأقل من الابتزاز، وربما “السرقة المقننة”؟ وحتى لو وجد الأميركيون والإسرائيليون من يحضر معهم المؤتمرات ويصطف للتصوير معهم أمام الكاميرات وخلفهم سلايدات باور بوينت عن المشروعات والتمويل، فإن الفلسطينيين في الأرض والمخيمات يدركون أن مصيرهم سيكون أقل من مصير يهود الفلاشا الذين يعيشون في مخيمات الصفيح في مناطق صناعية حول القدس، كما في بيت صفافة وغيرها. والواضح مقدما أن تلك مقاولة غير منطقية ولن يقبل بها إلا من يتصور أن علاقته بإسرائيل وتوقيعه على أنها فلسطين سيوفر لها حماية أميركية وصفها الرئيس المصري السابق حسني مبارك: “المتغطي بالأميركان عريان”.

إلى الأعلى