الأربعاء 26 يونيو 2019 م - ٢٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مفارقات المشهد الأخير
مفارقات المشهد الأخير

مفارقات المشهد الأخير

غالبا ما تعطي مشاهد الختام انطباعا مختصرا لتاريخ بعض القادة، وإن كان هذا الأمر أقرب ما يكون إلى مشيئة الأقدار، ولكن كما تدين تدان والحصاد حسب الزرع. وإذا تمعنا في مشاهد رحيل بعض القادة نجد أن هذه الفكرة تتطابق مع مشاهد رحيلهم، فهناك عدد من القادة جاءوا بانقلاب دموي ورحلوا كذلك، وهناك من القادة ممن حكموا بلادهم في ظل احتلال أجنبي وعندما حانت لحظة الحقيقة لم يجدوا من يحميهم فغادروا السلطة، وآخرون جاءوا مع الاحتلال وسيرحلون معه، وبلا شك أن هذا الموضوع جدير بالاهتمام والتمحيص والاستنتاج لما يقدمه من عبر ودروس ينبغي أن يستفيد منها الباحث بشكل عام، وسنتطرق خلال سياقنا التالي إلى بعض المشاهد الختامية لرحيل بعض القادة والزعماء العرب، ومقاربة ذلك المشهد الختامي مع مسيرة حكمهم، فجاءت النهاية خاتمة معبرة اختصرت تاريخهم.
إن التطرق لمثل هذه الحالات والتمعن فيها نجد أنها حالات تستحق البحث والتأمل، وبداية إسقاطنا سيكون مع المجاهد العربي الليبي عمر المختار الذي ما زال اسمه يمثل رمزية لمقاومة الاستعمار والنضال العربي، فهو قائد المجاهدين والثوار الليبيين في مقاومة الاستعمار الإيطالي، وقد كبدهم خسائر فادحة فلم يستطع الاستعمار تصفيته أو تصفية المقاومة رغم بلوغ هذا القائد الثالثة والسبعين من عمره، فكان يستمد قوته من إيمانه بقضيته لدحر الاحتلال الأجنبي، وكان على ثقة بالنصر، ولذلك لم يأبه بالمصير أو الموت، فاستمر في قيادة المجاهدين 20 عاما حتى وقع في الأسر وتم إعدامه على يد المستعمر الإيطالي، وهذه تعتبر شهادة عظيمة خالدة في الأرض والسماء. لقد كرس الشهيد عمر المختار حياته من أجل استقلال بلاده فنالت الاستقلال بفضل الإرث المقاوم الذي قدمه هو ورفاقه، وللمشهد الختامي في حياته معانٍ بليغة ارتبطت بسيرته التي كرسها للجهاد في سبيل الله وتحرير بلده، فقضى حياته من أجل الدفاع عن بلده ومقاومة الاستعمار الفاشي، وارتبط اسمه بالمقاومة والجهاد فنال الشهادة، وجاءت دلالات مشهد الرحيل معبرة عن تاريخ مسيرته، وقد ظن المستعمر الإيطالي أن إعدام شيخ المجاهدين عمر المختار بتاريخ الـ21 من سبتمبر 1931م سيطفئ جذوة المقاومة والجهاد، إلا أن ما حدث هو العكس فلم يغب مشهد إعدام المختار عن باقي رفاقه وشعبه وظل رمزا للمقاومة الوطنية التي أسسها شيخ الشهداء والتي لم تتوقف حتى تحقق انسحاب المستعمر الإيطالي في عام 1943م، وذلك بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية.
المثال الآخر الذي سنقف معه هو مشهد رحيل الزعيم جمال عبدالناصر الذي كرس حياته ما قبل ثورة يوليو 1952م وما بعدها في غايات وطنية وقومية، فهو الزعيم العربي الذي جمع الأمة العربية على موقف موحد مناديا بالوحدة العربية، وحارب في فلسطين عام 1948م. وقد تفجرت مشاعره الوطنية لإخراج مصر من سيطرة رأس المال والسلطة الحاكمة، مع سيطرة الاحتلال الإنجليزي على القصر الملكي، فاستطاع هو ورفاقه اجتثاث ذلك النظام الملكي وفرض الجلاء على الاحتلال الأجنبي، وقدم منظومة وطنية اعتمدت على الذات المصرية في الصناعة والزراعة والتعليم والصحة وتحسين المعيشة ودعم السلع الغذائية والمشاريع العملاقة، وسعى لنشر الحرية والعدالة الاجتماعية وتأميم الثروة الوطنية، وكان رجلا زاهدا في معيشته عفيفا في استخدام المال والسلطة، مخلصا في أداء رسالته الوطنية، خاطب الأمة العربية بشكل مباشر ورفع من قدرها ومكانتها، فرفعت مكانته وتجاوبت معه في السراء والضراء، بل انطلق إلى خارج دائرته العربية بتأسيس منظمة عدم الانحياز وعقد اتفاقات مع السوفييت كبلد صديق، لذلك حاولت القوى الغربية الضغط عليه وإفشال مشروعه ومسيرته الوطنية والقومية، فاستهدفته في الداخل والخارج ولم تتمكن منه، واستمرت بعد رحيله في تشويه سيرته بالتوازي مع الرجعية العربية، ولكنهم فشلوا وبقي ناصر شامخا خالدا بمبادئه عليه رحمة الله، وحتى اليوم بعد مرور نصف قرن ما زالت الجماهير العربية ترفع صوره في كل مناسبة عربية؛ ذلك لأن مواقفه القومية عظيمة متعددة؛ لذلك جاء مشهد الرحيل معبرا عن تلك المسيرة، فرحل في ذروة عنفوانه القومي أثناء أحداث ما عرف بأيلول الأسود في سبتمبر عام 1970م وهي (المواجهات المسلحة بين التنظيمات الفلسطينية والجيش الأردني) التي سقط خلالها عدد من الضحايا، فهب الزعيم جمال عبدالناصر إلى استدعاء القادة العرب بمن فيهم الملك الحسين وياسر عرفات ـ عليهما رحمة الله ـ لإنقاذ العرب من أزمة مستفحلة، فقد كان من المحرمات في عهد عبدالناصر أن تحدث مواجهة بين العرب أنفسهم، ورغم كونه في إجازة مرضية، لكنه قطعها من أجل إنهاء هذه الأزمة، واستمر مؤتمر القمة لثلاثة أيام لم ينل فيها عبدالناصر شيئا من الراحة والنوم رغم نصائح الأطباء له، وفي اليوم الأخير استمر يودع القادة العرب ومع وداع آخر القادة لم يستطع عبدالناصر التحامل على نفسه فطلب سيارة الرئاسة إلى قرب المدرج بعد هبوط حاد في القلب وهو ما أدى إلى وفاته عليه رحمة الله، فكانت نهاية مسيرته بنهاية مؤتمر القمة العربية التي أنهت أزمة عربية حادة، وهكذا عندما يجتمع للأمة مثل هؤلاء الزعماء التاريخيين، فقد كرس عبدالناصر مبادئ عظيمة ما زالت الأمة والقوى الناصرية تعتمد عليها كمبادئ أصيلة مثل الحرية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية ووحدة الموقف العربي. فالزعيم عبدالناصر قضى جل حياته من أجل أمته العربية، وكان مشهد رحيله مرتبطا بها مختتما تاريخ مسيرته.
المثال الأخير الذي نستعرضه في هذا السياق هو الرئيس أنور السادات الذي تم اغتياله في حادثة المنصة الشهيرة أثناء العرض العسكري لذكرى حرب أكتوبر، حيث كان السادات هو القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية في الحرب من خلال موقعه رئيسا لجمهورية مصر العربية منذ رحيل الزعيم جمال عبدالناصر في الـ28 من سبتمبر 1970م، وكان أهم ما سجل التاريخ في حياته حدثين: الأول هو حرب أكتوبر، والثاني هو زيارة كيان الاحتلال الصهيوني وتوقيع معاهدة السلام معه. ولسنا بصدد الدخول في تفاصيل الحدثين، ولكن نسلط الضوء على حادثة الاغتيال التي تمت بتاريخ الـ6 من أكتوبر1981م أثناء مشاهدة العرض فأنهت مسيرة حياته، حيث نفذت مجموعة الاغتيال العملية أمام مرأى وسائل الإعلام، وعندما سئل قائد المجموعة وهو الملازم خالد الإسلامبولي عن أسباب ذلك ذكر أن أهم الأسباب كانت زيارة السادات إسرائيل وتوقيع معاهدة، إضافة إلى إهانة العلماء وزجهم في السجون. إذن رحل السادات في مشهد عبر عما سجله خلال تاريخه، واغتيل على يد أبناء شعبه، بل من قبل أبناء القوات المسلحة وهذا له دلالة خاصة أيضا.
فرحم الله أولئك القادة والزعماء الذين كتبوا تاريخ بلادهم وما زالت أسماؤهم حاضرة في المشهد العربي، ومشاهد رحيلهم جاءت معبرة ومختصرة لمسيرة حياتهم، كما أن هناك مشاهد أخرى مماثلة لا يتسع المجال لذكرها تقدم الدروس للتاريخ.

خميس بن عبيد القطيطي
khamisalqutaiti@gmail.com

إلى الأعلى