الإثنين 9 ديسمبر 2019 م - ١٢ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الفرصة الدبلوماسية
الفرصة الدبلوماسية

الفرصة الدبلوماسية

حالة الصراعات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة، وتفرض عليها التوترات والانقسامات والاختلافات، يجعل المنطقة بكاملها تتحين فرصة دبلوماسية كاملة للانقضاض عليها وفرض حالة السلام، لكن هذه الفرصة لها شروط في طرحها، وفي توقيت الجهر بها، وفي مدى تقبل كافة الأطراف لها.
وفي إحدى التغريدات التي كتبها المفكر السياسي الكويتي الدكتور عبدالله النفيسي قال: (هذا وقت سلطنة عمان للتدخل، وذلك لنزع فتيل التوتر في الخليج، فالسلطنة بالذات تحتفظ بعلاقات سالكة مع الجميع، وهي كانت مطبخ الاتفاق النووي بين إيران والغرب)، وكأنه يشير لكل دول المنطقة بأن السلطنة هي “الفرصة الدبلوماسية” للسلام، وهي رؤية يجب أن تؤخذ على محمل الجد فصاحبها أستاذ للعلوم السياسية في جامعات كويتية وإماراتية، وعضو سابق بالبرلمان الكويتي، كما يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية تشرشل بجامعة كامبريدج، أي أنه حين تصدر تغريدة من مثل هذا العالم والخبير السياسي فهو يعني ما يقول، وهو أدرى ببواطن أمور الأحداث بالمنطقة، وأن ما يعنيه هو أن السلطنة الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بهذا الثقل الدولي لدى كل أطراف العملية السياسية والمناوشات السياسية الجارية والتي تهدد استقرار المنطقة، خصوصا وأن الدبلوماسية العمانية تعتمد الميل للتركيز على العوامل الجيوسياسية الدائمة، والابتعاد عن النزاعات الأيديولوجية والطائفية، وتفضيل التوافق في الممارسات الاجتماعية والسياسية، والتأكيد على التسامح.
ويذكر التاريخ أنه منذ تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم في البلاد، وهو يعمل على أن تتبوأ السلطنة مكانتها بين الأمم، حتى أصبحت موضع ثقة وتطلع العالم، وجعل الجميع ينشد دورها عندما تشتد الأزمات وتشتعل الصراعات.
وتذكرنا تغريدة الدكتور النفيسي بدور السلطنة الرائع والتاريخي حين استطاعت أن تبهر العالم بالطريقة الدبلوماسية العمانية المتزنة في وقاية المنطقة والعالم من صراعات كبيرة ما بين الغرب وإيران، بعد أن نجحت في جمع مختلف أطراف الصراع على مائدة المفاوضات ووضع أطر محددة وناجعة للملف النووي الإيراني (اتفاق 5+1) قبل أن ينسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترامب العام الماضي.
وما تقوم به السلطنة منذ اندلاع الصراع في اليمن، بمحاولة التواصل لوضع كافة الأطراف على مائدة المفاوضات لإنهاء معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في استقبال الجرحى والمصابين، أو العالقين من دول خارج الصراع استجابة لمطالب دولية، كل هذه المقومات، وما أكثر شبيهاتها من المواقف، تضع السلطنة القبلة الأولى للدبلوماسية المتزنة التي تعلم جيدًا أن الحوار وحسن الجوار هما أساس العلاقات الدولية، وهذا أيضًا ما فهمناه من تغريدة الدكتور عبدالله النفيسي لتولي السلطنة دورها في منع صراع لا يعلم أحد كم هي تكلفته على المنطقة وشعوبها، بينما سيكون الكل فيها خاسرًا بدون رابح واحد.
ليس الخبراء والأكاديميون العرب فقط هم من يتطلعون لدبلوماسية السلطنة ومكانتها في العالم، بل ساسة وخبراء غربيون أيضًا يحلمون بهذه الرؤى، فتقول سوزان مالوني، الباحثة بمركز سياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينجز: “وعلى خلاف العالم، تحرص السلطنة في سياساتها الخارجية على اتباع سياسة الأبواب المفتوحة مع الجميع، ما جعلها دومًا بمثابة البيت الذي يستظل به الفرقاء لحل مشاكلهم وتقريب وجهات النظر بينهم، ولطالما كانت هي رسولًا للمحبة والسلام والتقارب، لا التباعد والتلاسن والفرقة، فالسلطنة تعتبر أن حياة الشعوب وما تتعرض له من جراء الخلافات هي أشد وأسمى أنواع الحماية الإنسانية”.
إن خبرة الدبلوماسية العمانية الكبيرة في فهم لغة وآليات حسم الصراعات، واستيعاب أن الخلافات يمكن أن تحل وتحسم من خلال الحوار والتفاهم يجعل أنظار شعوب المنطقة تضع آمالها في تدخل السلطنة لإنهاء المحاكاة الدموية التي تدور في المنطقة والتي أسفرت عن تفجيرات تزامنت مع تحرك الآلة العسكرية التي لا تعلم في لغة الحوار، بل إن كل ما تفهمه هو التدمير وقتل الأبرياء، ومقومات الحياة.
إن تصدر السلطنة دول المنطقة في القدرة على ترسيخ السلام والأمن والمصالحات، ونزع فتيل الصراعات، جعلها نافذة وسطية لحل كل الخلافات الإقليمية والدولية، وأصبحت كافة الأطراف تنظر لها بوصفها ممرا تستنشق منه نسائم السلام، ما وضع على عاتق السلطنة آمال تلك الشعوب في نزع فتيل الأزمة التي تمر بها المنطقة، ولأن السلطنة الوسيط النزيه المرغوب تدخله، فيمكنها ـ بعون الله ـ القيام بهذا الدور على أكمل وجه كسابق الأدوار التي أنقذت المنطقة، يبقى فقط على أطراف الصراع أن يكون لديهم الآلية لفهم ظروف المنطقة، وما يمكن أن تعانيه جراء التصعيد، وأن يؤمنوا بـ”الفرصة” ويمهدوا الممر لقطار الدبلوماسية العمانية التي يمكنها أن تنقذ المنطقة وشعوبها، ويصموا آذانهم عن الذين ينفخون في بوق الحرب.

جودة مرسي

إلى الأعلى