الأربعاء 26 يونيو 2019 م - ٢٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / هل تطيح ليدي جاجا بالمتنبي؟

هل تطيح ليدي جاجا بالمتنبي؟

عادل سعد

.. وأنت تحصل على كرسي لك في مقهى حافظ ضمن الطرف الغربي من شارع المتنبي في بغداد، لا تأتي أمامك ميدانيا إلا صور شخصيات أودع الزمن في تجاعيدها أحراشا من سنوات السجون وخيبات الأمل، والإمساك الذهني، ولوعة الأيام التي ضاعت تحت غبار خيول سياسية أعيتها المنافسات فترفّعت عن أجواء الصفقات، وارتأت الانزواء مع إعلان جزئي عن خسائر علاقات، وأموال، وفرص عشق ريفي، وانهيارات حزبية.
في مقهى حافظ وأنت تستطيع بالكاد أن تجد موطئ قدم للكرسي الذي حصلت عليه، تستطيع أيضا، ولكن بسهولة أن تستمع إلى آخر المعلومات بشأن عقدة البحث عن شخصين يشغلان وزارتي الداخلية والدفاع مع قائمة طويلة لمرشحين للمنصبين دون أن يخلو المشهد من طرائف فاحشة، والمقرف أن البعض رشح نفسه ضمن تلك القائمة بزعم الأهمية وهو لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يرد اسمه بالنفير السياسي العام السائد الآن لحل تلك العقدتين.
في مقهى حافظ يتناوب الاهتمام في أحاديث رواد المتنبي، الجاحظ، والأصمعي، وماركس، وابن النديم، والفريضة الراحل (عباس بيزه) أمهر (مدير مفوض عراقي لتجارة الهوى)، بل والليدي الأميركية جاجا التي تقول بعض الآراء إنها تغني لكي يطرب الشيطان، مع آخر مستجدات الفساد، وسلم الرواتب. وآخر ما وصل إلى السوق العراقية من منشطات جنسية، ومعلومات غزيرة عن سرقات ولصوص سطو على أموال حكومية، بل تستطيع أن تكون على بينة من النقلة النوعية التي حققها رئيس الوزراء الدكتور عادل عبد المهدي في الكف عن ترويج الوعود بتحويل العراق إلى جنة وسط تلاطم الخصومة المتأججة بين الإيرانيين والأميركيين مع متابعة لما يمكن أن يدلي به جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي الماسك بهذا الملف!
وفي مقهى حافظ، تستطيع أن تعرف قصة عن محافظة المثنى السماوة، أفقر مناطق العراق، ليس بشأن السمراوات اللواتي كن يتجولن بين نخيلها تماهيا مع (نخل السماوة يكول طرتني سمرة)، بل عن المنحة المالية اليابانية التي رصدتها طوكيو لمشاريع خدمية هناك، لكنها أضاعت الطريق فذهب أغلبها إلى جيوب بعض المسؤولين السياسيين، والعهدة على الرواة!
وفي مقهى حافظ، كما في عموم شارع المتنبي لا يفوتك مشهد مشردين على وزن الذائع الصيت، ابن أحد أقدم أحياء بغداد، الراحل حسوني الأميركي وقد تلبسهم الخبل، وهم يتقاضون مبالغ مقابل أخذ صور معهم!
ولا يفوتك مشهد باعة الكعك الدائري المحمص (السميط)، ومشهد محللين سياسيين (بالات) يتفاوضون مع مندوبي فضائيات تلفازية للظهور في لقطات رغم أنهم لا يعرفون سوى كيل الشتائم للحكومة، والمطالبة بإعلان الحرب على الفساد بسيوف خشبية مصنوعة على قياسهم.
الخلاصة، في شارع المتنبي، ترخص الأحاديث عن كساد الكتب، وكساد الصدق، فهناك رواد للشارع متخصصون في بيع السمك وهو في نهر دجلة، ويسعون إلى قبض الثمن مقدما، أليس هو واقع الثقافة والسياسة في العراق على وفق تصنيف الملاح المتمرس إسماعيل الذي ما زال يواصل نقل الركاب بين ضفتي النهر، وما زال يواظب أيضا على محاولة إقناع الذباب بالتخلي عن زيارة مكبات النفايات، لأن ذلك ربما قد يؤدي إلى إقناع الفاسدين بالتخلي عن فسادهم، مع أنه يقر أن المهمة أصعب من المهمة التي سافر من أجلها كلكامش في رحلة إلى المجهول بحثا عن الخلود، وقد تم تدوين رحلته بملحمة هي الأقدم تاريخيا!!
لا شك أن شارع المتنبي بالنسخة السائدة الآن يختصر الواقع العراقي، صور العسر السياسي، والنأي عن المكاشفة وكثرة الأسئلة، وسجال الألسنة، والضياعات في الوقت، واللجوء إلى التوافقات الوقتية، والتبحر في الفساد، والمراهنة على الموت لحل المشاكل بأمل أن تزيح الراحة الأبدية البعض من الساحة.
في شارع المتنبي تجول المستشرق الفرنسي جاك بيرك، والشعراء الجواهري والبياتي وحسين مردان، وفي محاذاة الشارع وعلى بعد خطوات منه يقع نزل الراحلة المومس العمياء التي خلدها الشاعر بدر شاكر السياب، وعلى بعد خطوات أخرى، تستطيع أن تتبين الرصيف الذي كان يشغله الشاعر معروف الرصافي بائعا لسجائر المفرد لأجل أن يعالج جوعه بأرباحها! بل وتستطيع أن ترى آثار القاعة التي غنت بها أم كلثوم فأطربت عراقيين، فقراء، وأغنياء، ومشردين، وشيوخ عشائر، وصحفيين عندما كان عددهم بعدد أصابع اليد، وليس بالكثرة المستنسخة الآن لأغراض الجاه الإعلامي.
في هذا الشارع، تستطيع أن تعقد الأمل على مستقبل للبلاد، لو أن هناك قرارا في الكف عن عمليات البيع والشراء في المواقف السياسية مع وقفة جدية لمواجهة الفساد على غرار الوقفة اليونانية في مواجهة هذا الداء بشهادة منظمة الشفافية العالمية، وكذلك تحرير رواد مقهيي حافظ والشابندر من متوالية نوبات البكاء على الأطلال، أتعس العادات العراقية!!

إلى الأعلى