الأحد 22 سبتمبر 2019 م - ٢٢ محرم ١٤٤١ هـ

رقة القلب

إنّ الله تعالى خلق الإنسان وركّب فيه من القِوى والمواهب والجوارح ما يمكنه من العيش مع الآخرين والتفاعل معهم، وما يمكنه من التأثير على المحيطين به والتأثر بهم، لذا فإن الإنسان من هذه الناحية حواس وعقل ووجدان، فلا يمكن للإنسان أن يعيش بالعقل والحواس، بل لا بد من وجود بلسم يربط التعايش بين الحس والعقل، هذا البلسم الدفين فينا هو الوجدان، ومحله القلب، والوجدان هو الذي يعبر عما بداخلنا من خوف وخشية، وسعادة وفرح، ومن حزن وأسى، والقلب في ضوء هذا قلبان: قلب رقيق وقلب قاس، فالقلب الرقيق يلين ويتأثر، ورقة القلب خصلة محمودة، ومن علامات رقة القلب البكاء عند تلاوة القرآن أو سماعه، يقول الله تعالى:(اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّـهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر ـ 23)، ويقول تعالى:(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة ـ 83)، وعن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال:(قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اقرأ عليَّ القرآن، قال: قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلَاءِ شَهِيدًا) رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرأيت دموعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسيل) (رواه البخاري)، (رقم الحديث: 4206)، وكان (صلى الله عليه وسلم) يبكي في صلاته، فعن عبدالله بن الشخير ـ رضي الله عنه ـ قَالَ:(رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ الْبُكَاءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (رواه أبو داود. رقم الحديث:904). ومن السبعة الذين يظلهم الله تعالى يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله َرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فعن أبي عبيدة عن جابر بن زيد ـ رحمهما الله تعالى ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل ورجل متعلق قالبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا وتفرقا على ذلك ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه بالدموع من خشية الله ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه) ـ (رواه الإمام الربيع. رقم الحديث:48). ومن علامات رقة القلب التأثر بموت عزيز، حيث تدمع العين، إنه بكاء الشفقة والرحمة والحنين، فهذا النبي (صلى الله عليه وسلم) بكى في مواقف كثيرة منها، بكي على شهداء مؤتة ـ رضي الله عنهم ـ فعن أَنَسٍ مالك ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قال:(إنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَعَى جَعْفَرًا وَزَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) (رواه البخاري.رقم الحديث:3630)، وبكى (صلى الله عليه وسلم) حزنًا على موت ابنه إبراهيم، فعن أنس بن مالك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) (رواه البخاري. رقم الحديث:1303)، وبكى (صلى الله عليه وسلم) لموت ابن ابنته أم كلثوم، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: (شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) (رواه البخاري. رقم الحديث:1285)، وفي حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ـ رضي الله عنهما:(أَنَّ ابْنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ في احتضار ولدها .. فَأَتَاهَا فَوُضِعَ الصَّبِيُّ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا؟ قَالَ: إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَضَعَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) (رواه أبو داود. رقم الحديث:2721). وبكى النبي (صلى الله عليه وسلم) على موت عثمان بن مظعون ـ رضي الله عنه، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:(قبّل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دُفن بالبقيع ـ رضي الله عنه)، وبكى ـ عليه الصلاة والسلام ـ عندما زار قبره أمه حنينًا إليها إلى أمه، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ:(زَارَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) (رواه مسلم. رقم الحديث:976)، وهذا سيدنا يعقوب ـ عليه السلام ـ يتفطر قلبه لفراقه ابنه يوسف ـ عليه السلام ـ ويبكي عليه بكاءً متتاليًا حتى ابيضت عيناه وفقد بصره، يقول الله تعالى:(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالُوا تَاللَّـهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّـهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (يوسف 84 ـ 86).

إلى الأعلى