الإثنين 17 يونيو 2019 م - ١٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / رمضان والرقي الإنساني «1»

رمضان والرقي الإنساني «1»

رمضان مدرسة الأخلاق، يأتي هذا الشهر الفضيل كلَّ عام ليضخَّ في أجسادنا دماءً جديدة من كل خلق نبيل، ومعنى جليل، يوقظ فينا ما انطفأ من جمال الروح، وكمال النفس الإنسانية ، ويوقد فينا جذوة التسامي، ويشعل فينا حماس الطاقة، بحيث يرتقي المسلم إلى قمم الإنسانية، وحتى لا يكون الحديث ضربًا من التمني، أو لوناً من المُنَى الجوفاء، فإننا ندخل مباشرة إلى جلال ما يفعله رمضانُ في المسلم الصائم ليرتقي به إلى مصافِّالكمالات الإنسانية، ويعلو به إلى مرتبة من السمو لا يعهدها في غير رمضان، فالمسلم الصائم لا يقترب من اغتياب أو ارتياب في أحد، فإذا كان يزِلُّ في غير رمضان، ويزلف لسانُه في الحديث عن أحد من ورائه ، فهو في صيامه عاقلٌ، لا يجرح صيامه بالنهش في عرض أيِّ مسلم ، حتى لا يخدش جمالَ ومكانة صيامه، ولا ينقص من أجر صومه شيئا ، كما أنه لا ينظر إلى ما لايحل له من أمر النساء، ويبعد بعينه إذا ما وقعتْ على فتاة أو سيدة قد تخفَّفت من الحجاب، أو أظهرت شيئا من مفاتنها، فيغض طرفه، ويدعو لها بالهداية، ولا يسمح لنفسه أن تتتبع شيئا في جسدها، أو شعرها فيكون في طهر الملائكة، لا يعصي ربه، بل يذكره، فيغض طرفه عن اقتناع بأن الله ناظر إليه، راصد فعله:(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)، وإن تكلم صدق، وأوجز، وحرص على وقته لأنه وقتُ رمضان، وقت أغلى من الذهب، وأثمن من الماس، فيُحسِن استغلال رمضان، ويستثمر وقتَ صحوه في التسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، وتلاوة القرآن، فيكون كما الملأ الأعلى الذين يسبحون الله بالليل والنهار، لا يفترون، فيرتقي بنفسه، وفكره، وعقله، وإحساسه، ويجعل ربه بين ناظريه، مُطّلعاً عليه، راصداً أنفاسه، مُسجلاً إحساسه، فيكون رمضان سببًا في تساميه، وركنًا ركينًا في ارتقائه، وتصافيه ، ودواء لأدوائه، وتَعَافيه ، أما إذا تجاوز أحدٌ في الحديث معه ، واستغضبه، وجادله، وامتد لسانه إليه بسوء، فإن المسلم الصائم لا يتنازل عن خلق الصيام، وجلاله، ومعانيه، وكماله، وإنما يصبر، ويحتسب الأجر عند الله، ولا يجاريه في سَبِّه، وشتمه، أو تدني قوله، وسقوط لفظه:(فإذا سابَّه أحد، أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم)، أيْ: أنني في حصن حصين بالصيام الذي لا يسمح لي مطلقاً بأن أتنازل عن مقامي وعليائي، حيث رفع الصوم من عزيمتي، وارتقى به، وبخلقي، وأدبي، وأن غاية الصيام ومرماه، ومقصده، وهدفه إنما هو تحصيل فضيلة التقوى:(لعلكم تتقون)، فالتقوى التي هي صحو الضمير، ويقظة القلب، واستنهاض المارد الخلقي في النفس المسلمة، وإضاءة نور الهدى في الذات، هي التي تحجز الصائم من أن يقترف هذه الصغائر، وتلك الحقائر، وهذه الأمور التي هي لثواب العبد بوائرُ، وهَوَالك، (الصيام جُنّة)، وحصن حصين، ومانع منيع من الولوج في مَسَفَّات الذنوب، ومساقط المروءة، ومهابط الإثم، الصيام حقًّا يهذِّب النفس، ويرتقي بالذات على معالي الأمور، ويرفعها إلى مدارج الكمال.

إلى الأعلى