الأحد 22 سبتمبر 2019 م - ٢٢ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام «13»

مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام «13»

(العدالة الاجتماعية) فرع (العدالة النفسانية): وصحت المقولة:(فاقد الشىء لا يعطيه)، فإن من كان فاقداً في نفسه صفة العدالة، فكيف يقدر على العدالة خارجها، فهو أمر محال، فإن وجود القوى الأربعة في النفس وهي تتجاذب فيما بينها على من يكون أميراً على مملكة النفس والقوة الوحيدة التي لها الحق لان تكون كذلك هي القوة العقلية، لأمر يدعو إلى اتخاذ تدابير تحقق العدالة فيها، فلكي تصل النفس الى موقع يؤهلها لإعطاء زمام (إدارة وقيادة مملكة النفس) لابد لها من إدارة الاختلاف بين هذه القوى الأربع وبشكل عادل، وهو ما يعبر عنه (إعطاء كل ذي حقٍ حقه)، فلكل قوة من هذه القوى النفسانية (حقوقاً وواجبات)، فلابد من تحقيقها وبشكلٍ عادل، بحيث لا يضر مصالح أي أحد منها، ولا أن يكون إعطاء هذه القوة حقها على حساب حق القوة الأُخرى، إضافة إلى أمر آخر وهو أن كل قوة من هذه القوى الأربع تحتاج في نفسها أيضاً إقامة العدالة، لأنها في نفسها تتصارع على حد الوسط ويتجاذبها الطرفان الإفراط والتفريط، فالنفس البشرية إذن تتصارع القوة النفسانية الواحدة فيما بينها، وفي الوقت نفسه تتصارع بين سائر القوى، ولهذا يعد جهادها الجهاد الأكبر، ويُعد هذا التصارع بين نفسها والتصارع بين بقية القوى مظهراً من مظاهر الحقوق، إذ لابد من تحقيق الحق والحقوق على مستوى ذاتها وعلى ومستوى بقية القوى ومن ثم تكون الانطلاقة إلى ما هو خارج هذه النفس، فإن الذي لا يستطيع أن يحقق العدالة في مملكة نفسه بين القوى الموجودة فيها فإنه لن يتمكن من تحقيقها بين الناس والعباد، فإن (العدالة الاجتماعية الظاهرية) التي تقع بين العباد هي مظهر من مظاهر (العدالة النفسانية الباطنية)، ونتيجة من نتائجها، وثمرة من ثمارها، وهي فرع لهذا الأصل.
وللإنسان أن يحقق هذه العدالة من خلال تسييس القوى تسييساً صحيحاً، حكيماً، عادلاً، وقد عبرنا عن هذا التسييس لهذه القوى تسيساً صحيحاً عادلاً بـ(فن ادارة قوى مملكة النفس)، فالذي لا يملك فن إدارة قوى نفسه، فإنه عاجز عن إدارة ما هو خارجها.
الشواهد النصية:
وإليك الآن بعض الشواهد النصية الواردة النصوص الشريفة، قال تعالى:(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وقال تعالى:(الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)، وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
وورد عن أمير المؤمنين علي ـ كرّم الله وجهه الشريف: الفضائل أربعة أجناس: أحدها الحكمة وقوامها في الفكرة، والثاني العفة وقوامها في الشهوة، والثالث القوة وقوامها في الغضب، والرابع العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس.
ملاحظة مهمة:
إن الآيات وما ورد من الأخبار أيضاً وإن كان الارتكاز المتعارف فيها انصرافها إلى (العدالة الاجتماعية) التي تشمل كل المجتمعات من الصغيرة إلى الدولية، إلا أنها مع قليل من التأمل نجدها صالحه للانطباق على (العدالة النفسانية)، والأمر سهل، وهذا ما نلمسه لدى الاعلام والفضلاء في مصنفاتهم، الذين أوردوا بعض الأخبار الشريفة بوجه شمولي يشمل العدالة بين القوى النفسانية، ما يشعر بل ويؤكد بأنها غير مختصة بالعدالة الاجتماعية فقط.

إلى الأعلى