الإثنين 17 يونيو 2019 م - ١٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مع نبي الله يوسف ـ عليه السلام «6»

مع نبي الله يوسف ـ عليه السلام «6»

.. وشهود البراءة جاءت من أحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين وأعدل العادلين وهو القائل:(كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) وهناك فرق بين هذه الآية وقولنا:(كذلك لنصرفه عن السوء والفحشاء) لكان معنى الآية: أن يوسف كان مندفعاً إلى السوء والفحشاء والله يمنعه، أما معنى قوله تعالى:(كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) أن يوسف ثابت في مكانه لا يتحرك والسوء والفحشاء يحاولان أن يقرباه فصرفنا السوء والفحشاء عنه وهذا هو الشاهد الأول أعدل العادلين وهو الله سبحانه وتعالى، والشاهد الثاني هو إبليس فقال ما نصه في شأن يوسف:(إنه من عبادنا المخلصين) ولم يقل من (عبادنا المؤمنين أو المحسنين أو المتقين) لأن إبليس قال لرب العزة:(فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين)، وما دام يوسف من عباد الله المخلصين فلا سلطان للشيطان عليه حسب إقرار الشيطان نفسه وهناك فرق بين قوله:(إنه من عبادنا المخلَصين) بفتح اللام، معناها : الذين أخلصوا لدينهم لله واعتصموا بالله، فالمخلص بالفتح هو الذي أخلصه الله، أما (المخلِص) بكسر اللام هو الذي أخلص لله، وأما الشاهد الثالث هو ابن اخت إمرأة العزيز وهو غلام لا يتجاوز شهراً من عمره كان في المهد صبياً وإذا به يصيح بأعلى صوته لما رأى العزيز واقفاً أمام يوسف ـ عليه السلام ـ نادى الغلام الرضيع:(إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُرٍ فكذبت وهو من الصادقين) يعني: إن كان قميصه قُطِعَ من الأمام فهى صادقة وهو كاذب لأنه يريد الهجوم عليها وهى تمنعه فقطعت قميصه من الأمام وإن كان قميصه قطع من الوراء فهى كاذبة وهو صادق لأنه حاول أن يفر من أمامها فجرت وراءه فقطعت قميصه من الخلف، شهادة صادقة من رضيع من الذي أنطقه؟ أنطقه من لا يغفل ولا ينام الذي أنطق كل شيء وكان الواجب على العزيز أن يطوي الملف وأن يحكم ببراءة يوسف لكنه كان رجلاً ضعيف أمام زوجته، فلما رأى قميصه قُدَّ من دُبرٍ أي: قُطِع من الخلف (قال إنه من كيدكن) أي: ما حدث وما جرى من كيدكن، ولاحظ أن (مَنْ) تفيد التبعيض والتجزئة إن كل الذي حدث وما جرى من كيدكن إن كيدكن عظيم، أما كيد الشيطان كان ضعيفاً، والشاهد الرابع هو امرأة العزيز نفسها قالت:(ولقد راودته عن نفسه فاستعصم)، وهكذا أقرت على نفسها والإقرار سيد الأدلة طلب العصمة وطلب اللجوء إلى الله واستمسك بحبل الله المتين ثم ماذا (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) إن لم يسمع كلامي وما أمره به ليدخلن السجن فماذا قال يوسف؟ قال:(ربِّ السجن أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه) إنما قال يدعونني إليه ولم يقل تدعوني لأن التي دعت إلى الخطيئة ليست واحدة وإنما دعت النسوة كلهن يوسف إلى الخطيئة لما دعتهم امرأة العزيز إلى بيتها لمشاهدة يوسف ـ عليه السلام ـ لما عابوا عليها صنيعها وأعدت لهن متكئاً ومكاناً مهيئاً وأعطت كل واحدة منهن سكيناً وما يقطع من الفاكهة بالسكين وقالت له: أخرج عليهن، فلما رأينه أكبرنه أي: عظمته شأنه وقطعن أيديهن وقلن حاشَ لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم، ثم قالت لها النسوة: ما عليك لوم بعد هذا الذي رأينا لأنهن لم يرين في البشر شبيهاً ولا قريباً منه، وقالت النسوة: اطع سيدتك يا يوسف، فقال يوسف: السجن أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه وأنا الضعيف أموت في طاعة الله خيرٌ من حياة في معصية الله، يوسف دخل السجن لأنه لم يرضَ أن ينام على الحرير أميراً في معصية الله ويرضى أن ينام على الحصير سجيناً في طاعة الله ولو كانت هناك عدالة لكان يوسف جديراً بأن يُكافأ على عفته ونزاهته لكنه دخل السجن لأنه أصرَّ أن يطيع الله، وذكر السدي: إنما سجنوه لئلا يشبع ما كان منها في حقه ويبرأ عرضه فيفضحها، وأما الشاهد الخامس فقد شهد ليوسف وهو في داخل السجن وهن النساء اللاتي قطعن أيديهن فإن الرجل لما جاء إلى يوسف وقال: يا يوسف أنا مبعوث الملك إليك لقد حكم لك الملك بالإفراج فقم وارتدي ثيابك لتقابل الملك، لم يرضَ يوسف أن يلبي نداء الملك، وقال للرجل المبعوث: ارجع إلى ربك أي: إلى سيدك الملك (.. واسأله فما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم) وهكذا حرص يوسف على إظهار براءته ولم يرضَ أن يخرج من السجن (قلن حاشَ لله ما علمنا عليه من سوء) (ما) نافية تنفي عنه أي سوء، وقالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق ظهر الحق جلياً أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين هكذا أنا وهى تفيد القصر والحصر ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) هذا كلام امرأة العزيز وليس من كلام يوسف ـ عليه السلام، يقول المفسرون: لما دعا يوسف وقال ربِّ السجنُ أحبُ إليّ مما يدعونني إليه استجاب الله له وذلك أن الله عصمته عظيمة وحماه فامتنع منها أشد الامتناع واختار السجن على ذلك وهذا في غاية مقامات الكمال مع شبابه وجماله تدعوه سيدة وهى امرأة عزيز مصر وهى في غاية الجمال والمال ويمتنع من ذلك ويختار السجن رجاء ثواب الله .. هذا والله أعلم.

إلى الأعلى