الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / حالة ضمن تناقضات

حالة ضمن تناقضات

المكان مظلم اهتزاز في منطقة الرأس ، المخ يحاول أن يصمد حتى لا يصاب بسبب اصطدامه بجدار الجمجمة ، صوت جرس مزعج يأتي من نافذة الأذن ، ثوان ويتلاشى الظلام بعد أن ارتفع جفن العين اليسرى بهدوء وخفة ، لكن ثواني وعاد الظلام مرة أخرى بعد أن عاد الجفن ليغطي مقلة العين ، صوت سقوط مدو في الخارج ، تتحرك اليد لتلتقط المنبه الذي سقط من على الطاولة بعد أن اهتز لدقائق ولم يجبه أحد ، يدخل الضوء مرة أخرى للرأس بعد أن ارتفع الجفنين، تحدق العين في المنبه الذي يشير للساعة العاشرة والأربعين دقيقة.
إذن لم يكن إهتزاز حقيقي في الرأس كان مجرد شعور باهتزاز المنبه وكأنه في الرأس (مجرد شعور) المخ سليم والجمجمة لم تتأثر. هكذا كانت تصف لي حالتها قبل أن تبدأ عيناها في إخراج الدموع التي وصفتها كالزجاج الجارح إذا سقطت على الأرض ، هي مشتتة بين زمنين ومكانين وعقلين وتوجهين ورغبتين ، تشعر بأنها شخصان، كل شخص حياتان ، تناقض مفروض عليها وتقبل عن قناعة غير مبررة، لكونها تعيش في مجتمع متناقض في الأعراف والعادات والتقاليد ومتعدد الثقافات غير المقبولة من الطرف الآخر والصراعات المقيتة وعلى الرغم من أن الجميع يدين بديانة واحدة حسب الظاهر وما هو موثق في الأوراق الرسمية لكن الاعتقاد المخفي والتصرفات المخفية هي عكس ذلك نسبة لا بأس بها وجهت أفكارها إلى خارج الصندوق رأت ما لا يراه الآخر فشكلت لنفسها توجها مختلفا ولكن التصريح بهذه الأفكار غير مسموح به وغير متقبل لكن مجموعة قليلة صرحت بأفكارها واعتبرت خارج النص ومجموعة أخرى خوفاً على مصالحها المجتمعية والعملية وحفاظاً على صورتها ارتآت بأن تحتفظ بتلك الأفكار داخل إطار حياتها الشخصية ومع المجموعة التي تعتقد بنفس أفكارها هذه من كونت لنفسها حياة وشخصية مثالية أمام المجتمع ملتزمة بما يفرضه عليها الآخر ويحترمه فاستطاعت بذلك الوصول إلى مأربها بدون أن يلمس أو يكشف المجتمع الطرف الآخر من شخصيتها التي قد تسقطها.
هي التي تشعر بأنها تعيش حياتين وشخصين جسدت جزءا من شخصيتها في الفيلم السينمائي السعودي ( وجدة) ذلك الفيلم الذي ألقى الضوء على التناقض الذي يعيشه المجتمع السعودي وعلى الرغم من معارضيه من المجتمع السعودي نفسة كونه مبالغا في وصف حالة التناقض التي يعيشها المجتمع ، الا أنه سلط الضوء على التناقض الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية بشكل عام والخوف من المجتمع قبل الخوف من رب العباد ، حيث أن أم وجدة (بطلة الفيلم) كانت تخرج ساترة جسدها من قمة الرأس إلى أخمص القدمين بينما كانت داخل المنزل تدخن السيجارة وتستمع إلى الأغاني (التي هي في نظر الشرع حرام) وغيرها من التصرفات التي لا يقبلها الشرع والمجتمع ، وكانت الأم في خلاف دائم مع وجدة لكون وجدة تصر على شراء سيكل (الدراجة الهوائية) وكانت تأنبها لأن سياقة الآنثى للسيكل بغض النظر عن سنها غير مقبول مجتمعياً وأن لم يحرمه الشرع صراحةً، وفي المدرسة التي كانت ترتادها وجدة كانت معلمة القرآن تجبر الطالبات على وضع الحجاب أثناء قراءة القرآن بينما كانت المعلمة لا ترتدي الحجاب وترتدي ملابس غير لائقة والوضع نفسه مع مديرة المدرسة التي كانت تفرض على الطالبات ارتداء العباءة التي توضع على الرأس بينما كانت ملابسها مخالفة لذلك تماماً ولا تضع الحجاب داخل المدرسة، هذا التناقض ولّد مجتمع شغوف بإرتكاب الأخطاء ، يرتكبها وهو لا يرى فيها حرج بل قد يصل إلى مرحلة يشعر بأن ذلك الخطأ هو تصرف طبيعي له مبرراته وأسبابه، وهذه التصرفات المتناقضة تنعكس على بناء المجتمع وتوجهه يصبح مشغولاً بأشياء سطحية ظاهرية ويبتعد عن الرسالة الأسمى والتي هي بناء المجتمع وتنشئة جيل قادر على البناء والعطاء وإذا لم يتم علاج هذه التناقضات وإلقاء الضوء عليها قد نقع في دائرة عميقة من الصعب الخروج منها. في مدينة لاس فيجاس الأميركية عندما سمح بالقمار فيها من باب تنشيط الإقتصاد عن طريق ضعاف النفوس والراكضين وراء الكسب السهل كان الهدف سامي من وجهة نظر المسئولين فيها إلا أن اليوم المصاريف التي تصرف على المصحات التي تعالج إدمان القمار والأرواح التي تزهق انتحاراً بعد الخسائر المادية التي تتكبدها وارتفاع أعداد المشردين والبطالة كبدها أضعاف أضعاف ما كان متوقعا من القمار ، فأتمنى أن لا نصل في تناقضاتنا المجتمعية والعقائدية إلى هذه الحالة حتى لا نصبح مجتمعات مفككة تعاني من دمار أسري ونفسي تصرف عليه الملايين لمعالجته ومن غياب للعقول القادرة على التفكير بالعقل والحكمة.
هي التي تعيش حياتين خلدت إلى النوم مرة أخرى على أمل أن تصحى في مجتمع أكثر اتزاناً بعيدا عن الشخصيات المشتتة والعقول المريضة والمتناقضة.

خولة بنت سلطان الحوسنية @sahaf03

إلى الأعلى