الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا المقاتلون الأجانب؟!

لماذا المقاتلون الأجانب؟!

كاظم الموسوي

”عقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جلسة استثنائية (24/09/2014) برئاسة الرئيس الأميركي باراك اوباما وبحضور متميز من رؤساء ووزراء خارجية الدول الأعضاء وضيوف آخرين وأصدر قرارا ملزما يجبر الدول الأعضاء في المنظمة الدولية على منع رعاياها من الانضمام إلى مقاتلي داعش في سوريا والعراق.”
ـــــــــــــــ
تكشف ظاهرة المقاتلين الأجانب في حروب المنطقة العربية، وخصوصا المقاتلين مع تنظيم ما يسمى “بداعش” الآن ابعادا متعددة، لا تختصر بكونهم اجانب وحسب وإنما في تكوينهم الفكري والسياسي والاجتماعي ودورهم في الممارسات الوحشية التي عرفوا بها بعد التحاقهم بالتنظيم او تنظيماتهم على الأرض. مما يعني ان وجود مثل هذه الظاهرة يثير اسئلة كثيرة عن المخططات والنوايا التي تدور حولهم ومعنى الحديث عنهم بين التهويل وواقع الحال. ولعل دخول الولايات المتحدة الاميركية وتوابعها اساسا في الموضوع شوّه الصورة او جعلها تصب في خدمة اهداف ابعد من التسمية وأوسع من المتطلبات التي يمكن ان تقود إلى فهم وإدراك معنى الحرب التي تخاض ودور القوى التي تقوم بها او تعمل عليها. وفي الأخير تستدعي مثل هذه الوقائع تفحصا وإدراكا لها وضرورة التمييز فيها وتحديد الأدوار والمهمات التي تسعى إليها. وما يحصل إلى حد الآن يظهر بوضوح تام ان هذه الظاهرة الجديدة/ القديمة هي ضمن خطط استباقية للعدوان الامبريالي والتوسع والهيمنة وليست لمصالح الشعوب وخدمة تحررها وصيانة وحدتها وثرواتها وسيادتها.
نشطت الإدارات الاميركية وتوابعها في مختلف المناطق الجغرافية على تشويه المصطلحات ومحاولات تخريب الوعي أو التضليل والخداع من اجل تمريرها واستخدمت لها، كما بات معلوما، شتى السبل والآلات الاعلامية والعسكرية والتقنية وغيرها، بمختلف اللغات، خدمة لأهدافها وخططها الاستراتيجية. وكل هذا مقصود ضمن اطر فتح الصراعات وإشعال الحرائق واستثمار فرصها في تنفيذ المخططات العدوانية وحروب القتل والسيطرة على الثروات والطاقات وحماية المستعمرات والقواعد العسكرية الاستراتيجية ومرتزقتها والمتنفذين فيها في شتى انحاء المعمورة.
ليس من السهل ان يفهم ما حصل في سرعة صناعة تنظيم ما يسمى “داعش” واحتلاله ارضا واسعة في بلدين مستهدفين ومطلوبين، وليس ايضا اعلان الحرب على التنظيم وتحشيد كل هذه الجهود والاجتماعات والمليارات من الدولارات لضربه أو الادعاء به. وليس من المنطقي انكشاف الخداع الغربي الرسمي في الانقلاب من السلم إلى الحرب بليلة وضحاها. او الكلام، مجرد الكلام، قبل اشهر عن مساعي السلم وانسحاب القوات العسكرية والدعوات إلى المفاوضات السلمية وحل القضايا بالحوار إلى دق طبول الحرب وقصف المدن بالطائرات وصواريخ توماهوك وغيرها من مختلف انواع الاسلحة الحديثة التي يجرب بعضها ويختبر في منطقتنا المنكوبة بها وعقد المؤتمرات والاتفاق السريع فيها او حتى قبل عقدها. هذه الخطوات المتلاحقة وما سبقها من تهيئة وإعداد تتصل بكل المؤشرات الأخرى، وتكشف من جديد طبيعة الامبريالية ووحشيتها وتعميم ازماتها المتصاعدة، بل تزداد شراسة وتعمل بكل جهودها لتكريس سياسات العدوان والحروب والاحتلال والهيمنة الاستعمارية بكل الأساليب الفاشية. وبالتالي تكون مصالح الشعوب وخياراتها وثرواتها هي الخاسرة والمعنية بنتائج ما يجري وتداعياته الوخيمة عليها قبل غيرها. وهي من جهة اخرى تتحمل صمتها وتخليها عن مهماتها الفعلية في مثل هذه الحالات والظروف العصيبة، وموقفها مِن مَن يمثلها في القرار السياسي والمصيري الآن.
عقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جلسة استثنائية (24/09/2014) برئاسة الرئيس الاميركي باراك اوباما وبحضور متميز من رؤساء ووزراء خارجية الدول الاعضاء وضيوف اخرين وأصدر قرارا ملزما يجبر الدول الاعضاء في المنظمة الدولية على منع رعاياها من الانضمام إلى مقاتلي داعش في سوريا والعراق. وهو في مثل هذا الاجتماع والقرار يعلن خطورة التنظيم. ولكن الرئيس الاميركي ومن حضروا معه يعرفون جيدا مَن وراء كل ما حصل، ومَن هي الحكومات الراعية والحاضنة والممولة للتنظيم، ومن بينها من الحاضرين في الجلسة، ولهذا ما صدر وما سيصدر يدعو إلى التنبه مما يعنيه ويخطط له لا من مضمونه المباشر فقط، ولا الفزعة المريبة.
تلحق بذلك تحذيرات مسؤولي الأمن الغربيين وحديثهم عن اعداد المقاتلين الاجانب المنضمين إلى داعش وأخواتها وعن عودتهم إلى الغرب وقيامهم بأعمال ارهابية او قد يرتكبون ما يخشى منه. وهذه مرة اخرى اشارات لا تخرج عن الممارسات التي تقوم بها اجهزتهم في التعامل مع رعاياهم من اصول اجنبية خصوصا، وسياسات بلدانهم الاخرى في السجون والعدوان والحروب، وقد تكون هي من اسباب ما يؤول إليهم امرهم بعدها، فضلا عن التوظيف والتجنيد المطلوب منهم في مثل هذه الحالات. كما ان كل تلك التحذيرات لم تغير في الوقائع الحاصلة كثيرا بل تضيف لها عملا للأجهزة ودوائرها وأساليبها التي لا تقل عن وحشية التنظيمات الارهابية في تعاملاتها. أو هي التي دفعت تلك التنظيمات للتصرف بهذه الفاشية والوحشية المستنكرة والمدانة بكل المفردات والإمكانات القادرة على ردعها والتخلص منها.
الإعلان عن ارقام وأعداد لهم لا تغير من القضية كثيرا وحتى الاختلافات فيها أو التناقضات تظل تنويعا على المخططات المرسومة لها فقط. آخر تصريح لجيل دي كيرشوف، مسؤول مكافحة الارهاب في الاتحاد الأوروبي، لبي بي سي (26/09/2014) إن عدد المواطنين الاوروبيين الذين انضموا لتنظيم “داعش” في العراق وسوريا قد تجاوز ثلاثة آلاف. وكان خبراء وتقارير اعلامية قد قدرتهم في وقت سابق من العام الحالي بنحو الفين. ورأى دي كيرشوف إن قيام التنظيم بإعلان “الخلافة” في حزيران/ يونيو الماضي كان له دور في جذب المؤيدين الأوروبيين. وحذر المسؤول الاوروبي من ان الغارات الجوية التي تنفذها الولايات المتحدة وتوابعها قد زادت من احتمال وقوع هجمات انتقامية ضد اهداف في اوروبا. وأشار إلى احتمال تنفيذ المجموعات المنافسة لتنظيم “داعش” – مثل تنظيم القاعدة – هجمات على اهداف في اوروبا للمحافظة على موقعها، وقال “إن صعود داعش قد يجبر القاعدة على عمل شيء ما للبرهنة على انها ما زالت ذات اهمية”!.
تؤكد التحذيرات والقرارات على خطورة التنظيم وخطر الدول الداعمة له التي لا يراد ذكرها، لأنها تدخل الآن في تحالف الحرب عليه، او تحت هذه التسمية. والاغلبية في الأخير تعمل من اجل مصالحها وأهدافها وليس من اجل مصالح الشعوب وخياراتها.

إلى الأعلى