الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أنماط سلوك إرهابية (1)

أنماط سلوك إرهابية (1)

أ.د. محمد الدعمي

”ثمة نمط سلوكي ثانٍ اعتمدته هذه المنظمات الإرهابية يتجسد في حركية أعضائها وعناصرها، بدعوى محاكاة “الهجرة” النبوية العظيمة التي قلبت تاريخ العالم والإسلام رأساً على عقب. لذا تحاول كل واحدة من هذه المنظمات أن تفتح جبهة صراع هنا أو هناك لتعمل على استقطاب الأموال والعناصر المقاتلة من أماكن قد تكون ببعد الشيشان أو أوروبا أو طاجكستان، باسم “الهجرة”، والعياذ بالله.”
ــــــــــــــــــــــــ
في سياق بحثي في الحركات الإرهابية التي تلبس لبوس الدين (تخنيث الغرب: مفاهيم التجديد والحرب والدولة في الإسلام الجديد)، بيروت: الدار العربية للموسوعات، تمكنت من استنباط عدد من أنماط السلوك الإرهابية التي تشترك بها هذه الحركات، سوية مع اشتراكها في الأهداف وأدوات العمل.
واحد من هذه الأنماط السلوكية التي رصدتها يتجسد في الإمكانية اللا نهائية، حرفيًّا، لهذه المنظمات على الانشطار والتكاثر، وعلى التفرع والتشعب، الأمر الذي يلقي الضوء على العناوين والصيغ المتجسدة التي ترتقي الصفحات الأولى لنشرات الأخبار من آن لآخر: فإذا ما كان الصراع قد بدأ مرادفاً لعنوان اسمه “القاعدة”، فإنه اليوم يتبلور في العناوين الجديدة التي لاعهد للعالم بها من ذي قبل. لذا، فنحن نتعامل اليوم مع “خراسان” و”جبهة النصرة” و”أنصار الشريعة” من بين عدد لا بأس به من المنظمات والشبكات الإرهابية التي، كما يبدو ترتقي أسطح الأحداث على نحو متوال مثل الفقاعات التي تصعد إلى سطوح الموائع، كالماء والزئبق.
ومن ناحية أخرى، لاحظت اعتماد إرهاب هذه المنظمات على ما اعتمد عليه العالم الغربي عند إطلاق هجومه على العراق سنة 2003، وأقصد اعتماده على عنصر “الصدمة والترويع”. وهذا ما فعلته هذه الشبكات في توظيفها “الخنجر”، من بين أنواع الأسلحة الأخرى، ربما كان توظيف الخنجر للنحر الحي أمام الكاميرات من رواسب توظيف هذه الجماعات لتراث حركات المعارضة الشيعية في التاريخ، خاصة توظيف “جماعة الحشاشين” لذات الأداة في العصر الوسيط على سبيل تحقيق ما ترمي إليه هذه الشبكات اليوم من عناصر الإرهاب وصناعة الخبر: أي “الخوف من الخوف” سلاحاً فتاكا. لذا كانت نتائج تصوير وبث وإشاعة صورة الخنجر مؤثرة بمعنى الكلمة خاصة على العالم الغربي الذي لم يعهد هذا النوع من الدموية من ذي قبل.
ثمة نمط سلوكي ثانٍ اعتمدته هذه المنظمات الإرهابية يتجسد في حركية أعضائها وعناصرها، بدعوى محاكاة “الهجرة” النبوية العظيمة التي قلبت تاريخ العالم والإسلام رأساً على عقب. لذا تحاول كل واحدة من هذه المنظمات أن تفتح جبهة صراع هنا أو هناك لتعمل على استقطاب الأموال والعناصر المقاتلة من أماكن قد تكون ببعد الشيشان أو أوروبا أو طاجكستان، باسم “الهجرة”، والعياذ بالله. وهذا، برأيي، أهم اختلالات هذه الشبكات وهو اختلال اعتماد المحاكاة بدلاً عن الابتكار.
هكذا تقدم هذه الحركات المتعامية الدليل تلو الدليل على أنها لا تزيد عن حركات محاكاتية، تفتقد لأصالة الأصل التاريخي وإخلاصه، فالنسخة لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الأصل. وإذا كان المسلمون يتبعون نبيًّا معصوماً، فإن هذه الحركات الإرهابية تعتمد مدخلاً محاكاتيًّا للماضي على نحو متعسف، لأنها لايمكن قط أن تكرر ما حدث في كتب التاريخ على أرض الواقع، خاصة وأن الإسلاميين الجدد يقرأون التاريخ ديناً ويمارسون الدين تاريخا، مفرغين التقليد الروحي من سجايا المحبة والبناء والتعاون على سبيل إحالته إلى أداء سادي لا يمت للتقليد الروحي الإسلامي أو لسواه بأية صلة.
(وللموضوع بقية).

إلى الأعلى