الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / القاهرة .. نيويورك

القاهرة .. نيويورك

محمد عبد الصادق

”.. تقليد زيارات الرئيس المصري لأميركا، بدأ منذ أيام الرئيس الراحل أنور السادات والذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين مصر وأميركا ـ التي ظلت مقطوعة منذ العدوان الصهيوني على مصر عام 1967م، وبسبب وقوف جمال عبد الناصر في وجه المشروع الصهيوني الذي كان يحظى برعاية أميركا والدول الغربية،”
ــــــــــــــــــــــــــ
تحولت زيارة الرئيس المصري لأميركا منذ أواخر السبعينات إلى صداع بالنسبة للمصريين والعرب المقيمين في أميركا ـ وكثيراً ما نقلت صورة سلبية لشعوب الأرض عن حالة الانقسام السياسي الذي تعيشه مصر والبلاد العربية؛ بداية من زيارة السادات للقدس وانتهاء بالإطاحة بالإخوان والرئيس السابق محمد مرسي على يد قائد الجيش عبد الفتاح السيسي في 30/6/2013م، وخلال هذه المدة الزمنية التي قاربت على الـ 40 عاما تبارى الموالون والمعارضون للنظام المصري في حشد مؤيديهم في الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض أو مقر الأمم المتحدة، ومقر إقامة الرئيس المصري، وظل هذا الصداع مستمراً خلال ولاية مبارك ومرسي وكانت ذروته ما حدث أثناء زيارة السيسي الأخيرة لنيويورك، حيث طغت أخبار المظاهرات والحشود المتناحرة أمام أعين الوفود المشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أحداث قمة المناخ التي شارك فيها 140 رئيس حكومة ودولة من جميع أنحاء العالم، بل وصل الأمر إلى تبادل السباب، والاشتباك بالأيدي بين الفريقين، وتدخلت الشرطة الأميركية للفصل بينهما وتوقيف المتجاوزين.
وتقليد زيارات الرئيس المصري لأميركا، بدأ منذ أيام الرئيس الراحل أنور السادات والذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين مصر وأميركا ـ التي ظلت مقطوعة منذ العدوان الصهيوني على مصر عام 1967م، وبسبب وقوف جمال عبد الناصر في وجه المشروع الصهيوني الذي كان يحظى برعاية أميركا والدول الغربية، وبعد حرب اكتوبر زار السادات القدس ووقع معاهدة السلام مع إسرائيل، ومنذ ذلك الحين بات مقرراً على كل رئيس مصري زيارة أميركا مرة على الأقل كل سنة.
والسادات وقع مبكراً في هوى (العم سام) وهو صاحب المقولة الشهيرة “إن 99.9% من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط في يد أميركا”، وأعلن عقب توليه السلطة عدم رضاه عن علاقة عبد الناصر بالاتحاد السوفييتي وكان يرى أن السوفييت خذلوا مصر في صراعها مع إسرائيل ولم يكونوا مخلصين في مساعدتها خلال حرب أكتوبر، وتقاعسوا عن إمداد الجيش المصري بالأسلحة الحديثة القادرة على مواجهة السلاح الأميركي المتطور الذي تستخدمه إسرائيل، كما أنهم بخلوا بالذخائر ورفضوا تعويض العتاد الحربي الذي فقده الجيش المصري في الأيام الأولى لحرب أكتوبر1973م، وحملهم السادات المسؤولية عن فشل الجيش المصري في تطوير هجومه في سيناء إلى منطقة المضايق والذي أدى لحدوث الثغرة التي عبرت منها القوات الإسرائيلية لغرب القناة.
ومنذ وقع السادات وكارتر وبيجين معاهدة السلام التي بموجبها انسحبت إسرائيل من شبه جزيرة سيناء، مقابل إنهاء حالة الحرب مع مصر وتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، تم إقرار معونة أميركية لمصر تقدم سنويًّا في صورة معدات وتسهيلات عسكرية ومعونة اقتصادية خجولة يتم زيادتها أو تقليصها؛ وفقاً لمستوى العلاقات بين البلدين ورضا الإدارة الأميركية عن السلطة الحاكمة في مصر، وهذا الرضا من عدمه للأسف كانت إسرائيل هي المتحكمة فيه. فالعلاقات الأميركية /المصرية ظلت غير مباشرة طوال الأربعين عاماً الماضية، وظل المتحكم فيها الطرف الثالث المتمثل في إسرائيل فهي التي تمنح وتمنع وبسبب هذه العلاقة الثلاثية تقزم دور مصر، وفقدت تأثيرها الإقليمي في المنطقة؛ خصوصاً في الثلاثين سنة الأخيرة التي حكم فيها حسني مبارك.
وكانت الزيارة السنوية لأميركا، يسبقها مقال للسادات في مجلة النيوزويك أوصحيفة النيويورك تايمز، ينشر يوم وصوله الأراضي الأميركية، وكان السادات يتباهى بهذا الاحتفاء الأميركي والغربي حتى إن مجلة “شتيرن” الألمانية اختارته في عام 1980م كأشيك رجل في العالم، واختارته مجلة التايم رجل العام ثلاث مرات، وكان يتسلم الجائزة عند زيارته السنوية لأميركا التي حرص عليها منذ توقيع كامب ديفيد حتى وفاته.
ومن بين التقاليد التي أرساها السادات وتكررت مع مبارك ومرسي والسيسي إجراء لقاءات صحفية مع وكالات الأنباء وكبريات الصحف الأميركية، والظهور على شاشات أشهر المحطات الإخبارية، وبقدر نجاح السادات في كسب الرأي العام الأميركي بسبب دهائه وذكائه في الرد على الأسئلة المفخخة التي كانت تتفنن في طرحها هذه الوسائل الإعلامية، فشل مبارك في كسب تعاطف الرأي العام الأميركي ولم تحقق زياراته المتعاقبة لأميركا النجاحات الإعلامية المرجوة، حتى إنه قرر آخر عشر سنوات من حكمه الامتناع عن القيام بهذه الزيارة بالانتظام المعهود، وأناب نجله جمال للقيام بها في عهد جورج بوش الابن الذي كرهه مبارك بسبب إثارته لموضوع الديمقراطية والحرية والتداول السلمي للسلطة بطريقة فجة دون مراعاة لبروتوكول ولا دبلوماسية ولا لمكانته كرئيس أكبر دولة عربية.
وفي سبتمبر 2010م كانت آخر زيارة قام بها مبارك لأميركا قبل سقوطه بشهور وفيها اصطحب نجله جمال الذي حضر لقاءه مع الرئيس أوباما، وقيل وقتها إن الغرض من الزيارة كان أخذ عدم ممانعة من الإدارة الأميركية على موضوع التوريث.
ومنذ أيام السادات تصاحب المشاكل زيارات الرئيس المصري لأميركا؛ ففي أول زيارة للسادات عقب توقيع كامب ديفيد تجمع مئات العرب والفلسطينيين المعترضين على الاتفاقية والتطبيع المنفرد مع العدو الإسرائيلي أمام البيت الأبيض ورددوا الهتافات المنددة بالسادات واتفاقيته، واتهموه بالخيانة وبيع القضية الفلسطينية.
ومن بعدها تم وضع ترتيبات وخطط أمنية تشارك فيها السفارة المصرية في واشنطن والبعثة الدبلوماسية في نيويورك، ووزارة الخارجية، وجهاز المخابرات، لتأمين النجاح لزيارة الرئيس السنوية لأميركا، وارتدى رجال الأمن والمخابرات الزي المدني واندسوا وسط المتظاهرين لتأمين الرئيس ومحاولة فض التظاهرة أو إفشالها، ولم يهنأ السادات كثيراً بزيارات أميركا بعد أن اغتالته رصاصات الغدر والإرهاب.
وفي عهد مبارك استمرت مظاهرات أقباط المهجر في التسعينات، والذين اتهموا مبارك بممارسة التمييز ضد المسيحيين ومنع بناء دور العبادة، وحرمان الأقباط من المناصب العليا، والترقية لحد معين في سلك الشرطة والجيش والقضاء، وتعاملت السفارة المصرية والأمن معهم بنفس الطريقة وأضيف إليها جلب المبتعثين المصريين في الولايات المختلفة بعد أن ازداد عددهم إلى واشنطن ونيويورك وتنظيم مظاهرات مضادة للشوشرة على مظاهرات الأقباط.
وفي آخر زيارة لمبارك لأميركا انضم لأقباط المهجر الإخوان المسلمين، والمعارضين للتوريث، ولكنه كان تعود على مواجهة ذلك من منطلق نظرية “خليهم يتسلوا” ولم تمر سوى شهور قليلة على الزيارة حتى قامت ثورة 25يناير ، وخُلع مبارك ووئدت محاولات التوريث.
بعد الثورة ارتبكت الإدارة الأميركية، وتباينت ردود أفعالها تجاه ما يحدث في مصر بين التردد، والتأييد والمعارضة، وخلا عام 2011م من الزيارة المعتادة لعدم وجود رئيس، وفي سبتمبر 2012م كانت زيارة مرسي لأميركا وللأمم المتحدة، ولم يكن مضى على توليه السلطة سوى شهرين لم تتضح فيهما توجهاته لذلك مرت الزيارة بسلام بفضل التنظيم القوي لجماعة الإخوان في نيويورك، وانتظار أقباط المهجر موقف محمد مرسي من ملفاتهم الشائكة، ولم يتمكن مرسي من لقاء أوباما بسبب دخول إسرائيل على الخط وإصرارها على أن يكون اللقاء ثلاثيا بحضور نتنياهو، وخشي مرسي من لقاء نتنياهو ـ خوفاً من الإضرار بشعبيته وحكمه الوليد.
لم يكن السيسي في حاجة لكل هذا الحشد الإعلامي والرسمي لتأمين النجاح لزيارته الأخيرة لأميركا، وكان أجدر برجال الأعمال الموالين له توجيه الملايين التي أنفقوها على تسيير رحلات الطائرات، وتحمل تكاليف إقامة المئات من المرافقين ونقلهم من مصر إلى أميركا لمدة أسبوع للوقوف في الشارع والهتاف للسيسي ـ للحد الذي جعل أوباما يسخر ويقول للسيسي: “شعبيتك تفوق شعبيتي في نيويورك”؛ فهذه الحشود والإعلانات مدفوعة الثمن لن تغير من الأمر شيئا؛ فشرعية السيسي على الأرض أصبحت أمراً واقعاً، والظروف الإقليمية التي تسود المنطقة كلها تصب في صالحه، وثورات الربيع فشلت في مجمل الدول العربية، وأصبح لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ضد الإرهاب وداعش، وجماعة الإخوان والإسلام السياسي بأنواعه، أصبح منبوذاً ومطارداً من العالم أجمع، وكان من الأولى توجيه هذه الملايين التي أنفقت هباءً لمشاريع تنموية لتشغيل الشباب الباحثين عن عمل ومنع وقوعهم فريسة للإرهاب.

إلى الأعلى