الخميس 27 يونيو 2019 م - ٢٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الثقل الجيواقتصادي للشرق الأوسط والخليج العربي في استراتيجيات القوى العظمى (2-2)

الثقل الجيواقتصادي للشرق الأوسط والخليج العربي في استراتيجيات القوى العظمى (2-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

(قليلون أولئك الذين تنبهوا إلى أن هذه المنطقة – أي منطقة الشرق الأوسط – تشكل قلب كل الاقتصاد العالمي)(1) وأن من سيحكم هذه البقعة من العالم، والتي تعد بمثابة منطقة القلب الحديث للعالم فإنه سيتحكم ويسيطر على جزيرة العالم. لذلك و(بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز الولايات المتحدة الأميركية كأكبر قوة في العالم، حاولت هذه الأخيرة أن تتوسع في سلطتها وتستولي على المراكز الحساسة والجيوستراتيجية في العالم ودول الشرق الأوسط بصورة خاصة، والمناطق التي حاولت كل القوات الكبرى على مر التأريخ السيطرة عليها، ومن خلالها السيطرة على الشرق الأوسط بأكمله)(2)
ولذلك ستبقى الدول التي تقع على امتداد الخليج العربي ـ المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة قطر ومملكة البحرين والجمهورية العربية العراقية والجمهورية الإيرانية ـ بمثابة “جزيرة العالم” في أنظار القوى الكبرى على حد تعبير المتخصص البريطاني الشهير في الجغرافيا السياسية هارولد ماكايندر.
وبالفعل فإن من سيسيطر عليها وتحديدا على ثرواتها، خصوصا مكامن الثروة النفطية والغازية، سيسيطر على العالم خلال العقود القادمة من خلال تلك الأوراق الجيواقتصادية والجيوسياسية المستقبلية الرابحة. عليه، فإن أي عائق أمام هذا التوجه أو عدم قبول له من قبل دول المنطقة سيواجه بلا شك من قبل تلك الدول الكبرى بأشد أشكال المواجهة والصدام والمؤامرات ومحاولات العبث بسيادتها لإضعاف قراراتها السيادية، بهدف اختراقها وتغيير قراراتها وتوجهاتها لتحقيق تلك الغاية الاقتصادية والسياسية المهمة بالنسبة لها.
وهو ما أدى مع عدد آخر من الأسباب بالطبع إلى حدوث العديد من الصراعات والأزمات والحروب في المنطقة، كما هو الحال مع الجمهورية العربية العراقية، وهو ما يحدث اليوم مع الجمهورية الإيرانية بطريقة ما، حيث يمكن القول إن التهديدات الأميركية لإيران تدخل في سياقات اقتصادية أكثر منها سياسية، وهي محاولة السيطرة على أكبر حقول النفط والغاز في العالم، يضاف إلى ذلك السعي لتغيير النظام السياسي الإيراني على أمل تغيير العديد من القرارات ذات الصلة بالتوجهات الاقتصادية العالمية الكبرى، خصوصا ما يتعلق منها بالتحكم على أسعاره، أو عبر السيطرة على واحد من أهم طرق الملاحة التي يعبر منها النفط، أقصد مضيق هرمز.
لذا ما زالت هذه الدول على رأس قائمة أولويات واهتمام الدول العظمى كالولايات المتحدة الأميركية وروسيا. فجميع تلك القوى العالمية تحتاج إلى النفط، فهو من حيث هو مصدر طاقة، قوام ثروتها، ومنبع قوتها، وشريان الحياة لوجودها وقدرتها على المحافظة على مصالحها. فعلى سبيل المثال تحتاج الولايات المتحدة الأميركية للمحافظة على هيمنتها العالمية إلى امتلاك القدرة على ضمان واردات نفط مستقرة وبأسعار مستقرة، وقد أوضحت الولايات المتحدة الأميركية أنها ستستعمل القوة لهذه الغاية.
حيث (إن اختيار حقول نفط في الخليج أو في أسيا الوسطى يبدو هدفا في مظهره عقلانيا للنشاط الأميركي في منطقة تسودها الدول الضعيفة لأن التبعية الأميركية أصبحت شاملة إلى درجة كبيرة وليست محصورة بالنفط فقط، وهنا بالتحديد يثير النشاط الأميركي ردود فعل سلبية مذهلة من قبل هذه الدولة، إن القلق والتوترات التي يغذيها الأميركيون في الخليج وكشف رغبتهم الواضحة في السيطرة على مصادر موارد الطاقة)(3)
فقد (أشارت وثائق بريطانية أذن بنشرها إلى أن الولايات المتحدة الأميركية فكرت فعلا بنشر جنودها لوضع اليد على حقول النفط بالعربية السعودية والكويت إبان الحظر الذي فرضته دول أوبك العربية سنة 1973م، وعندما هددت روسيا السوفيتية بالتدخل في الحرب إلى جانب العرب وضع الرئيس الأميركي نيكسون القوات العسكرية الأميركية في العالم في حالة تأهب نووي، ما جعل القوتين العظميين تقتربان من الصدام النووي أكثر من أي وقت مضى منذ أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962م) (4)
وبكل تأكيد هو العامل الأهم والدافع الأبرز كذلك. أي العامل الاقتصادي وعلى رأسه النفط في توجيه السياسات والتوجهات الروسية (إلى احتلال مكانة في حفظ الأمن والاستقرار في منطقة الخليج, فلا تقل أهمية الخليج الاقتصادية عن أهميته الجغرافية للقوى الفاعلة في النظام الدولي المعاصر، إذ لا تزال المنطقة سوقا مهمة للمنتجات الأجنبية، وإذا كان اكتشاف النفط قد عزز من مكانتهما في دائرة الصراع الأميركي ـ السوفيتي سابقا، فإن امتلاكها لأكبر مخزون نفطي في العالم يشكل اليوم أحد المحددات الأساسية في الاستراتيجية الروسية) (5)
لذا يؤكد عالم الاقتصاد السياسي وأستاذ الشؤون الدولية والسياسية في كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية في جامعة برنستون: إن أحد أهم العوامل المهمة التي تؤدي إلى النزاعات السياسية الخطيرة هي العوامل الاقتصادية، وهناك تفسيران متناقضان لكون النمو الاقتصادي المتفاوت يؤدي إلى إحداث نزاع سياسي، فهناك من يرى أن النزاع بين الدول على الموارد الاقتصادية والتفوق السياسي مستوطن في نظام من الفوضى الدولية، ووفقا للمنظور الشخصي الواقعي، تولد عملية النمو المتفاوت نزاعات بين الدول الناهضة والدول الآفلة، وهي تسعى إلى صون وضعها النسبي في الهرم السياسي الدولي.
أما الرأي الآخر، وهو من وجهة نظر الماركسية اللينينية: إن التنمية المتفاوتة للمجتمعات هي بمثابة مصادر للفتوحات الاستعمارية، وفي الحقيقة أن عملية التنمية المتفاوتة تحفز النزاع السياسي لأنها تقوض الوضع السياسي الدولي، وأن انتقال مواقع الأنشطة الاقتصادية يغير توزيع الثروات والقوة فيما بين الدول في النظام، وإعادة توزيع القوة هذه وتأثيرها في مكانة ورفاه الدول تبرز النزاع بين الدول الناهضة والدول الآفلة، وأن عدم حل النزاع يمكن أن يؤدي إلى حرب هيمنة. وبتصوري إن هذه الاستراتيجية ستكون الخيار الطاغي على شكل العلاقات الدولية خلال الفترة الزمنية القادمة على رقعة الشطرنج الدولية، وليس ذلك فقط بين الدول الكبرى باتجاه الدول الأقل مكانة من الناحية الجيوسياسية، بل سيكون كذلك خيارا مطروحا بين مختلف دول العالم، وسيكون أشد نزوعا بين دول الشرق الأوسط، وكما ذكر مايكل.جي. هوجمات في كتاب نهاية الحرب الباردة مدلولها وملابساتها من أن: المكان المفرد في العالم اليوم الذي قد يتمخض عنه صراع كوني لا يزال بالإمكان تصوره هو منطقة الخليج، فعندما يرفع أحدهم الصراع الأخير في الشرق الأوسط إلى مرتبة الصراع الكوني، وأنه يصعب بعد حربيين عالميتين تمييز الحروب المحلية من الحروب واسعة النطاق) (6)
ملاحظة: بتصرف عن دراسة لي تحت عنوان: الثقل الجيواقتصادي للشرق الأوسط والخليج العربي ودوره في تغيير خريطة الصراعات والتدخلات في القرن 21 – تم النشر بمجلة الباحث الأكاديمي في العلوم القانونية والسياسية، بمعهد الحقوق والعلوم السياسية بالمركز الجامعي بافلو، الجزائر، ع الأول ص 12- 24
1- الفن وهايدي تافلر, أشكال الصراعات المقبلة, حضارة المعلوماتية وما قبلها, دار الأزمنة الحديثة/بيروت, ط1/1998م
2- احمد سليم البرصان, إيران والولايات المتحدة ومورد الشر: الدوافع السياسية والاستراتيجية الأميركية, مجلة السياسة الدولية, ع 148, بتأريخ 2004م
3- ايمانويل تود, ما بعد الإمبراطورية ودراسة في تفكك النظام الأميركي, ترجمة ك محمد زكريا إسماعيل, دار الساقي/ بيروت, ط2/2004
4- ريتشارد هاينبرج, غروب الطاقة, مرجع سابق.
5- د. لمى مضر جريء الإمارة , المتغيرات الداخلية والخارجية في روسيا الاتحادية وتأثيرها على سياستها تجاه منطقة الخليج العربي في الفترة 1990- 2003م , مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية , ط1/2005
6-محمد بن سعيد الفطيسي, مستقبل النزاعات السياسية في ظل الأزمات الاقتصادية, 11/يناير/2016م, http://alwatan.com/details/93716

إلى الأعلى