الجمعة 20 سبتمبر 2019 م - ٢٠ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مخاطر حرب أميركية على إيران
مخاطر حرب أميركية على إيران

مخاطر حرب أميركية على إيران

يكاد يجمع الخبراء والمحللون المتابعون للتوترات المتزايدة ما بين الولايات المتحدة وإيران على أن الولايات المتحدة لن تقدم على شن حرب على إيران، ليس لأنها عاجزة عن القيام بذلك، ولكن لأن إيران لا ترغب ولا تسعى للدخول في مواجهة مع الأميركان، وأنها لذلك ستعمل جاهدة من أجل أن تفوت الفرصة على الإدارة الأميركية الحالية للقيام بتلك العملية التي من شأنها أن تقوض أسس الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم، والنظام الإيراني يجيد تلك اللعبة، وقد سبق وأن جربها مع العديد من الإدارات الأميركية والنظم الغربية في السابق، ونجح في نهاية المطاف في أن يوقع على اتفاق يحقق مصالح مختلف الأطراف وفي القلب منه إيران.
ولكن ماذا لو لم تذعن الإدارة الأميركية الحالية لصوت العقل، وضربت برؤى المؤسسات الأميركية الرافضة لشن تلك الحرب عرض الحائط، ولم تسمع لوجهات نظر شركائها الغربيين والدوليين الذين يتوجسون خيفة من تلك الحرب على مصالحهم في المنطقة والعالم، ومضت قدما في توجيه ضربة خاطفة للنظام الإيراني، معتقدة أنها بذلك تستطيع تحقيق نصر سريع يصب في صالح الرئيس ترامب ويدفع بالجمهور الأميركي للالتفاف حوله في الانتخابات الرئاسية القادمة.
في الحقيقة تستطيع الإدارة الأميركية القيام بتلك الضربة، وهي تملك من القوى العسكرية والدعم الإقليمي ما يمكنها من توجيه تلك الضربة للنظام الإيراني، وهي صاحبة خبرة وسوابق عديدة في هذا المجال، حيث سبق وأن أسقطت نظام طالبان، كما وأسقطت كذلك الرئيس العراقي صدام حسين، إلا أن نظرة سريعة على نتائج تلك الحروب والتدخلات الأميركية في شؤون الدول الأخرى، واستخدام قوتها العسكرية لإسقاط الأنظمة المعادية، يبين لنا خطورة هذه الخطوة ليس فقط على الولايات المتحدة وإنما على مستقبل النظام العالمي.
فرغم إسقاط نظام طالبان في عام 2001 إلا أنه حتى اليوم ما زالت أفغانستان ومنطقة وسط آسيا لا تنعم بالاستقرار، ووصلت الولايات المتحدة بعد ما تكبدته من خسائر مادية وبشرية لسحب قواتها والاعتماد على أعداد قليلة في حربها مع نظام طالبان، بل ولم تجد أمامها بدا في نهاية المطاف سوى التفاوض مع نظام طالبان، باعتبار أنه لا بديل عن التعامل معهم من أجل التوصل لحل سياسي نهائي في أفغانستان، الأمر نفسه بالنسبة للعراق الذي أدى سقوط نظامه السياسي لصراعات طائفية ومذهبية لم تنتهِ، ووصلت فيها الأمور لدرجة نشوء تنظيم من أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم وهو تنظيم داعش، لنصبح في مواجهة ليس فقط القاعدة التي ما زالت المجتمعات العربية تعاني بسببها، وإنما كذلك داعش الذي تسبب في تدمير البنية التحتية العراقية والسورية وتكبيد العالم العربي والإسلامي خسائر فادحة في الأروح والممتلكات، بعد أن دفع العالم للتكتل ضده بهذا الشكل الذي سبق وأن رأيناه وأدى إلى التدخل في شؤوننا واستنزاف ثرواتنا تحت مزاعم محاربة الإرهاب.
وما حدث في أفغانستان والعراق، سوف يتكرر في إيران ويحقق نفس النتائج بل وأخطر من ذلك، فإيران ليست العراق ولا أفغانستان، وهي تملك عناصر داعمة لها في مختلف الدول العربية، ويمكنها في حال أرادت أن تشعل الصراع في المنطقة، وفي هذه الحال لن نكون أمام داعش واحدة بل عشرات التنظيمات الخطيرة التي يصعب التعامل معها.
ليس هذا فحسب، بل وعلى فرض نجاح الإدارة الأميركية في إسقاط النظام الإيراني، هل ستستقر الأمور في المنطقة أو حتى في إيران، الإجابة التي تثبتها الحقائق التاريخية هي لا، إذ سبق وأن جربت الولايات المتحدة إسقاط النظام المعادي لها في دولة هاييتي بزعم رغبتها في إقامة نظام ديمقراطي حقيقي، وكانت النتائج كارثية لأنها فشلت في النهاية في تحقيق ذلك وعادت هاييتي بعد أن عانت الفقر والتردي في مختلف المجالات للحكم الديكتاتوري المستبد من جديد.
لذلك فإن خطورة التعدي على إيران تفوق بكثير المكاسب المؤقتة التي يمكن تحقيقها من وراء تلك الحرب، سواء على المستوى الإقليمي أو حتى على المستوى الدولي، ما يحتم على المجتمع الدولي أن يضع حدودا لتهور الإدارة الأميركية الحالية ويحول بينها وبين المضي قدما في الضغط على النظام الإيراني بهذا الشكل الذي نراه يجر المنطقة والعالم إلى المجهول.

د.أسامة نورالدين
كاتب صحفي وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى