الإثنين 17 يونيو 2019 م - ١٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وقفة مع آيات «1»

وقفة مع آيات «1»

ما أجمل أن يعيش المسلم مع القرآن الكريم، وأن يتعايش مع القرآن الكريم ليتذوق حلاوة الذكر ولذة البيان، وينال بركة الفرقان، وتتجلى له عظمة القرآن، وينهل من خيراته، يقول الله تعالى:(إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء ـ 9)، وفي هذا المقال لنا وقفة سريعة مع آيات من كتاب الله تعالى، الذي قال عنه منزله سبحانه:(لَوْ أَنزَلْنَا هَـذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر ـ 21).
إنها آيات من آخر سورة المؤمنون وهي آيات طالما قرأنها وطالما سمعناها آيات تدمع العين، وترعد الفرائص، وتهز الوجدان، آيات تنفطر لها القلوب، وترتعش لها الأبدان، آيات تغير مسارنا حياتنا؛ إن لو تدبرنها حق التدبر، ونظرنا فيها بعين القلب لا بعين البصر، وجعلنها في والوجدان لا في اللسان.
إنها آيات تدفع المتدبر فيها إلى محاسبة النفس، وإعداد العدة، والتخلص من جميع الحقوق والتبعات، فالعمر قصير، والزاد قليل، والعقبة كؤود، والناقد بصير، فاخلصوا العمل، وخففوا الظهر، وجهزوا الزاد، واستعدوا للرحيل.
نعم .. القرآن بحاجة إلى تدبر ونظر وتأمل، ليكون سراجًا وهاديًا، ونورًا وضياءً، ودليلًا ومرشدًا، ومنهجًا ومنهاجًا، وحجةً ورائدًا، ورحمةً وشفاءً، لقد يسّر الله تعالى تدبر القرآن الكريم وسهله، يقول الله تعالى:(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص ـ 29)، ويقول الله تعالى:(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر ـ 17)، وقد تكرر ذكر هذه الآية في السورة نفسها في الآيات (22 و32 و40)، ومعنى:(يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ) أي: سهلناه وهوناه، فبإمكان كل مسلم أن يغترف من خير القرآن بحسب استطاعته، ويقول تعالى:(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد ـ 24).
هذه الآيات هي قوله تعالى:(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ، أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ، قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ، قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ، إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ، إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون 99 – 111)، إنها آيات تتحدث عن مشاهد ومواقف، وتتحدث عن أحوال الناس ومصائرهم بعد هذه الحياة الدنيا، وتتحدث عن أسباب الفلاح وأسباب الخسران.
المشهد الأول: مشهد الاحتضار، وهو مشهد يراه فيه المحتضر ما لا يراه المحيطون به، والملتفون حوله، يقول الله تعالى:(فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـكِن لَّا تُبْصِرُونَ، فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الواقعة 83 – 87).
إنه مشهد النزع والسكرات، مشهد المعاينة وانكشاف الغطاء، مشهد الانتقال والرحيل من الدنيا. يقول الله تعالى:(لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق ـ 22)، ويقول تعالى:(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طه ـ 55).
يصف الله تعالى هذا المشهد بقوله تعالى:(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
والآية دليل على أن أحدا لا يموت حتى يعرف اضطرارا أهو من أولياء الله أم من أعداء الله، أهو من السعداء أم من الأشقياء، ولولا ذلك لما سأل هؤلاء الأشقياء الرَّجْعة، فسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ليصلحوا ما أفسدوه في حياتهم الدنيا، ومنه قوله تعالى:(وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ) (الشورى ـ 44)، ويراد بمجيء الموت هنا هو مجيء سكرات الموت، فإذا جاءت السكرات كان الموت أمرًا حتميًا، وعندئذ يوقن الإنسان أنه ميت حيث تتكشف له الحقائق. .. وللحديث بقية.

إلى الأعلى