الأحد 22 سبتمبر 2019 م - ٢٢ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية تربوية في آيات غزوة بدر الكبرى «1»

قراءة بلاغية تربوية في آيات غزوة بدر الكبرى «1»

نزلت سورة الأنفال كاملة في غزوة بدر الكبرى لتوضح كلَّ ما يتعلق بتلك الغزوة المباركة التي سمَّاها القرآن الكريم يومَ الفرقان، حيث كانت فاصلاً بين الحق والباطل، والتوحيد والشرك، والنور والظلام، والإيمان والكفر، وبيَّنت كثيراً من القيم، وأرست كثيراً من المبادئ التي عَزَّ أن تجدها في غير القرآن الكريم، حيث رَمَتْ كلُّ آية ولفظة إلى قيمةٍعظيمةٍ، ومعنًى إيمانيٍّ سامٍ ، وجذَّرت لأركان الحرب الحقيقية وأسسها، تلك الحرب التي لا تعرف الهزيمة، وليس في قاموسها نكوصٌ، أو تراجع، فإما النصر، وإما الشهادة، رغم قلة عدد المسلمين، مقارنةً بأعداد المشركين ، حيث كان عدد المسلمين ثلثَ عدد المشركين، وأما عُدَدُهُمْ فكانت يسيرة قليلة، إذا ما قيست بما كان عليه المشركون، ومع ذلك فقد تم، وتحقق النصر، وفي ذلكدلالة على أن النصر لا يرتبط بعَدد ولا عُدد ، وإنما ركْنُه الركينُ، وحصنُه الحصين هو قوة اليقين، وكمال الإيمان، وحسن الصلة، وصدق التوجه، ونقاء الاستعانة بالله عز وجل يقول تعالى:)وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( (آل عمران ـ 123).
هذه الآية تخللها ـ على قلة عدد كلماتها ـ عدةُ أساليب لغوية، تحمل بلاغة، وتتضمن قيما كثيرة، أولها أسلوب القسم، وأركانه هي: (حرف القسم الواو، والمقسم به المحذوف للعلم به والتقدير (وعزتي وجلالي)، ثم جملة جواب القسم)، وهنا قد حذف المقسم به لأن أهل الإيمان من أرباب التقوى يعرفون بمَنْ يُقسِمون، وعلى مَنْفي كل أعمالهم يتوكلون، فلا ننتظر منهم، وهم من هم على صلة بربهم، وفي حالة حرب، وكر وفر في سبيل رضاه، وتحصيل رحماه أن نعلمهم أن ينطقوا ويأتوا بلفظ الجلالة، فالحذف هنا فيه إيجاز، والإيجاز يبين تمام الاتصال، وكمال الإعجاز ويعطي قيمة تربوية، خلاصتها أن المسلم لا ينسى ربه في أعز لحظات الابتلاء، وقرب خروج الروح جراء الشهادة في أثناء القتال في سبيل الله، واللام الواقعة في جواب القسم، وحرف التحقيق قد، وجواب القسم ، كل ذلك في قوله تعالى:(لقد نصركم الله ببدر) فـ(قد) حرف تحقيق، وهو يرسِّخ النصر في الصدر، ويعمِّقه في القلب، بحيث يملأ جوانب النفس،كما أنه يأتي كناية عن الاستقرار التام بفعل الله للمسلمين يوم بدر، وقدم المفعول هنا(نصركم الله) تبشيراً لهم، وأخَّر الفاعل: وهو(الله) تشويقًا لهم، وحَصَرَ الفاعل لبيان أنه لا ناصر إلا الله، ولا يمكن لبشر أن يحقق النصر لبشر مهما أوتي من عدة وعتاد وتنظيم وتجهيز، إنما النصر من عند الله العزيز الحكيم (نصركم الله)، فقدَّم المفعول، وحصر الفاعل، وصار تأخيره واجباً لكون الفاعل اسماً ظاهراً، والمفعول ضميراً متصلاً، وكأنَّ المعنى أنه: لا يملك نصرَكم إلا اللهُ، والفعل وقوته يكون على قدر الفاعل وعظمته، فإذا كان الفاعل هو الله، صاحب القوة جميعًا، وخالق البأس، وأمره بين الكاف والنون (كن) فلا تسأل عن ماهية النصر، وطبيعة المعركة، فهو نصر غير متخيَّل لأن الله هو الناصر، وقوله: (ببدر) أي: في بدر، فالباء قامت مقام حرف الجر (في)، وكأن الباء بمعنى (في)، ولكن عُدِلَ عن (في) إلى الباء، كأن بدرا كانت هي الأداة، والآلة مع أنها المكان والأرض، كأن كل الأرض كانت منشغلة بتحقيق النصر أي: نصركم الله بها، وبسببها، أو فيها، وتناوب حروف الجر معانيَ بعضها وارد ومشهور عند النحويين، وقوله:(وأنتم أذلة) هذه جملة اسمية حالية، أيْ حالة كونكم في هذا الظرف العصيب قليلي العدد، وضعيفي العدد ، فأنتم أقلُّ عددا، وأضعف عُدة ، فجعلهم لقلة عددهم أذلة، و(أذلة) جمع (ذليل) جمع قلة، فكأن الجمع بهذا الوزن جاء متساوقًا، متناغما، شارحًا لما تحته من معنى، ولم يشأ أن يأتيَ به جمع كثرة، كأن يقول:(أذلاء مثلا) أو (ذللاً)، وإنما اختار الوزنَ الذي يحاكي المعنى المراد، ويتناغم مع سياق الأحداث المقصود، وهو أسلوب، ودأب القرآن الكريم، وخصيصة من خصائصه إذ يستعمل اللفظ الذي يدور مع السياق، كما قال في سورة الكهف:(وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً)، حيث استعمل الحال هنا جامدة:(غصباً)، والأصل في الحال الاشتقاق، فكأن الغصب قبل أن يحدث من الملك الظالم، ساقتْه اللفظة، حيث ظُلِمَتْ،فجاءت الحال المشتقة جامدة، وصارت الحالُب جمودها مسلوبة الحقِّ بعد أن كان من حقها الاشتقاق، لكنها جاءت جامدة باكيةً لتحكي ظلم الملك، وأخذه عرق الناس بغير حق، ونهب سفينة اليتامى أو المساكين العاملين عليها ظلماً وعدواناً، وكما جاء كذلك في سورة البقرة من قوله تعالى:(ثم ادعهن يأتينك سعيا)، حيث جاء الحال مصدراً، ولم يأت مشتقاً (سعياً)، ولم يقل:(ساعيات)، فكأن السعي، والجري، وقطع الأنفاس، امتثالاً لأمر الله، فجعل الكلمة تفقد أحد حروفها لهثا وراء تحقيق معنى السعي والجري، وعدم التوقف لحظة حتى تبين عظمة القدرة الإلهية في جمع شتات تلك الطيور من كل جبل في لحيظات، حتى استقمن واقفات أمام سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ يعرفْنَه، ساعياتٍ مسرعات إليه، وهن من قليل من الزمن كُنَّأشلاء، ممزقاتٍ، مشتَّتاتٍ، قد نثرهن، قد وضع على كل جبل منهن جزءًا.

إلى الأعلى