الإثنين 17 يونيو 2019 م - ١٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام «15»

مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام «15»

بنود العدالة الإجتماعية: فبالملاحظة الأولية تتشكل أمامنا أهم بنود (العدالة الإجتماعية) القاضية بحفظ (حقوق الأفراد والمجتمعات) بل وحتى الكائنات الحية وغيرها التي تعيش ضمن المحيط الإنساني، وهي: ضمان حقوق الأفراد، وضمان حقوق المجتمع، وضمان حقوق الكائنات الأُخرى غير الإنسان، وضمان التوازن في تحقيق المتطلبات الفردية والإجتماعية والمحيط أيضاً، وحل إشكالية التزاحم في عالم (حقوق الأفراد) فيما بينهم من جهةٍ، وفي عالم (حقوق الأفراد والمجتمع) من جهةٍ اُخرى، ووضع حل لإشكالية التزاحم بين عالم الإنسان وعالم سائر الكائنات المحيطة به، وضمان ردع الآخرين عن الإعتداء، وضمان معاقبة المعتدي، وضمان تناسب العقوبة وحجم الجريمة والمخالفة كماً، وكيفاً، وهذا كله من جهة التشريع والقانون، وضمان تناسب العقوبة والجريمة والمخالفة من جهة التطبيق أيضاً، وذلك بأن يكون القانون ساري المفعول بحيث يوظف ويفعل في حال الإجتماع، ويكون المنفذ والمطبق للقانون على مستوى عال من النزاهة بحيث لا ينحاز إلى أحد، والقوة بحيث لا تأخذه في التطبيق لومة لائم، والإنصاف والعدالة، بحيث لا يميل إلى رحمة أو إلى مصلحة قد تفوته، أو إلى موقف قد يتعاطف معه، والإحاطة الكاملة للمشكلة الواقعة، فيتمكن من الوصول إلى الحل الناجع، وضمان فهم القانون بالشكل الصحيح، بحيث لا يتخالف مع أصل العدالة، ويضع الحقوق في محلها.
وهذه البنود الأحد عشر من أهم ما يبحث عنه الإنسان لتحقيق العدالة التي يحلم بها، فإذا لم يتوفر للإنسان قانونٌ حقوقي عادل من جهةٍ وإلى موظفٍ له من جهةٍ اُخرى؛ بحيث تتوفر فيه هكذا صفات ومؤهلات فإن الحياة المدنية التي أراق لتأسيسها السابقون دماءهم وبذلوا الغالي والثمين حياتهم، ستكون معرضة للخطر، بل أن نفس البنية التحتية لهذا الصرح المادي الشامخ لمهدد بالدمار والإنهيار، وهذا يعني عودة الإنسان إلى حياة العصور الحجرية.
وإذا افترضنا أن الإنسان استطاع أن يبذل الجهد في عالم المادة للاستفادة منها إلا أنه وقع في تيه في عالم المعنويات وعلى المستويين الفردي والاجتماعي معاً، ولم تبرح البشرية عن التفكير في صناعة قانون متكامل يضمن الحياة السعيدة؛ مذ أن تم التحامٌ بين الأفراد فيما بينهما، وتشكل المجتمع، وكانت الحاجة تزداد إلى إيجاد نظام اجتماعي أكثر شمولية ودقة كلما ازداد عدد أفراد المجتمع وازدادت متطلباتهم الضرورية والكمالية؛ واشتد التزاحم فيها، فقامت دولٌ وشعوبٌ، وأُسست الحياة المدنية، وكان يقترن بتأسيسها المدني “تشكيل نظام” مهمته تحقيق (العدالة الاجتماعية)، وتوزيع (حقوق الإنسان) بنحو عادل.
بيد أن تلكم العلاقة الطردية بين زيادة الأفراد وبين التزاحم المحكومان لزوماً بزمانٍ ومكانٍ ولوازمهما من التطور والتنمية كانت تلقي بظلالها على القانون الذي وضعوه أو وضعه أجدادهم؛ فكانت الشعوب تنظر إلى قانونها وكأنه في مرحلة الشيخوخة، فيحتاج إلى تجديدٍ أو إلى توسعةٍ أو إلى تعديلٍ أو تغيير وتبديل وذلك لعدم قدرة هذا القانون المتقادم زماناً على سد كل الفراغات المتكونة بتأثير من العلاقة الطردية ولوازمها في (الهيكل الاجتماعي) وأساسه، وكان يرافق تبديل القانون أو تغييره أو تعديله ـ في بعض الأحيان ـ معارضاتٌ داخليةٌ ما كان يشكل خطورةً على الحياة المدنية والاجتماعية معاً، ولا يخلو الأمر من معاناة تعاني منها الطبقة ما دون العليا ـ كالوسطى والدنيا وما تحت خط الفقر ـ في هذا المجتمع، لعدم توفر بدائل العيش الكريم لديهم مثلما هو عند تلكم الطبقة، وفي كثير من الأحيان كانت الأمور تؤول في تلكم الدول إلى نشوب حروبٍ داخليةٍ تدع الجمع حصيداً، والفيء زهيداً.
وإذا كانت غالبية الحروب منشؤها عدم قدرة القانون على توفير ضمانات الاستحقاق الناشئة من حقوق أفراد المجتمع، فإن بعضها كان منشؤها عدم الاتفاق على بعض بنود القانون أو على الصيغة التي صيغ بها، وإذا ما تخلص من هذا الدهليز كان ينتظره دهليز أشد وهو: المنفذ له والمطبق إياها ليقوم بتمريره وتنفيذه ..!.

إلى الأعلى