الجمعة 23 أغسطس 2019 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية تربوية في آيات غزوة بدر الكبرى «3»

قراءة بلاغية تربوية في آيات غزوة بدر الكبرى «3»

يقول الله تعالى:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال ـ 41).
بدأت تلك الآية الكريمة بقضية فقهيَّة تتعلق بتوزيع غنائم بدر، حيث كانت بردًا وسلامًا على أهل بدر من المحاربين في الميدان، والذين وقفوا في ظهورهم يَحمونهم، ومَنْ كان حول الرسول في العريش الذي أقيم فيه ليتابع شؤون المعركة، ويوم الفرقان نفسه، حيث كانت إدارتُه ودقتُّها، وحرصُ الصحابة على تنفيذ أوامره سببا في نجاح الغزوة رغم قلة العدد وضعف العدد، لكن تأييد الله وملائكته، وصدقُ الإيمان، وحسنُ الاتباع، ويقينُ التوكل على الله، كلُّ ذلك أسهم في نجاح الحرب، وقَتْل مَنْ قُتِلَ من صناديد الكفر، وأسْر من أُسِرَ، وعاد المسلمون يعيشون أجواء النصر، وفرحة الفوز، ونزلت الآيات لتبين لهم التشريعاتِ التي تستقر بها الدولة، ويَثبُت لها قوتُها، فاستعمل فعل اليقين:(اعلموا)، وجعلهم في ضمير واحد رمز وحدتهم وهو (واو الجماعة)، ثم المفعولان اللذان قام مقامهما المصدر المؤول المبدوء بحرف التوكيد أن،(أنما غنمتم من شئ) و(ما) التي هي مصدرية أو موصولة مبهمة يدخل تحتها كلُّ ما يمكن دخوله من غنائمَ: مادية، ومعنوية على اختلاف أنواع كلٍّ منهما، ويترشح هذا بدخول (من) حرف الجر الصلة، أو التي يقول عنها البصريون: حرف الجر الزائد، وقد دخلت (من) هنا لاستيعاب كلِّ ما يمكن تصوره من الغنائم: قلَّتْ، أو كثرت، تنوعت أو توحدت، غَلَتْ أو رخصت، كبرت أو صغرت، بعدت أو اقتربت، فدخول (من) مؤذنٌ بانضمام كلِّ ما يمكن أن يتخيله العقل، ويدخل تحت الفكر، والفعل: «غنمتم» ورد بالماضي لإدخال السعادة على قلوب المحاربين بتطمينهم على نصرهم وفوزهم، ودحر عدوهم، والغنيمة منهم، ثم يأتي خبر (أنَّ) وهو قوله تعالى:(فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، فالفاء تفيد السرعة، ووجوب الالتزام، وأن الأمر كله: أوله، وآخره لله، لا يُترَك لأحد ليتناحر لأن الفضل والنصر من الله كما في قوله تعالى:(فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت ولكن الله رمى)، وقوله:(وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم)، وقوله:(وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام)، وقوله:(فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب)، فالأمر كله لله، ومن الله، ففيم الاختلاف حول فُتات الدنيا؟!، ولمَ التنازع في حطامها؟!، إن الإيمان وجلاله مانعٌ من الفرقة، دافعٌ إلى الوحدة، رافعٌ النفس عن الاختلاف، ممتِّنٌ لأواصر الوداد، ثم بدأت التقسيمات الشرعية بالعطف بالواو التي تفيد هنا الترتيب، حيث يخرج كل شيء قبل الواو قبل ما بعد الواو، وهكذا يراعى الترتيب، أو أنها لمطلق الجمع، غير أن كل من أشير إليه يكون قد نال نصيبه في ختام توزيع القسمة التي ارتضاها الله عز وجل، ثم تأتي الجملة الشرطية التي تربط كل الأفعال المتقدمة برابط الإيمان:(إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ)، فمدار كل تكليف، وأصل كلِّ تشريع إنما هو كلمة غالية على النفوس، وهي الإيمان، الإيمان بالله، واليقين بما عنده، والارتكان إلى صدق عبوديته، فقد خاطب القرآن فيهم حرارة الوصال، وأنبت فيهم حسنَ التوجه، وأيقظ فيهم ماردَ الحبِّ، وحسن الصلة بالله، وحرارة الأخوة التي يذكيها الإيمان بالله، فالجملة الشرطية:(إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ) لها جواب محذوف دل عليه المتقدم المذكور، أيٍ:(إن كنتم آمنتم بالله فارضوا بقسمة الله) في:(فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، وشبه لجملة:(بالله) يجعلهم يسارعون بالرضا والاطمئنان على جلال توزيع الله للغنيمة والقبول الكامل لما ورد في الآية الكريمة.

إلى الأعلى