الخميس 22 أغسطس 2019 م - ٢٠ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الحرية الجماعية والقانونية

الحرية الجماعية والقانونية

بدر بن سالم العبري:
الحرية في الأصل تدور وفق دائرة الجماعة، لأنّ الكون خلقه الله تعالى للجميع، ليكون العبد فيه حراً بعبوديته لله تعالى المطلقة، وسمو خُلقة في مراعاة باقي أفراد البيئة، ومكوناتها الرئيسة.
والأصل في ضوابط الحرية يقرها الوجود نفسُه، فقطع زهرة جميلة تعطي الوجود جمالاً، ولا حاجة لقطعها لعلاج أو صناعة أو نحوه، إنّ قطعها يعتبر عبثا بهذا الكون، بعيداً عن الحرية بمعناها السليم، وهدا أمر بديهي.
كذلك رمي الأذى في الطريق ليؤذي الآخرين، هذا أمر منكر لا يحتاج لقانون أو شريعة تجرمه أو تنكره، فهذا مما فُطِرَ الإنسانُ عليه.
كذلك نجد قوانين من صنع البشر، وضعها الناس لتحقيق مصالحهم الدنيوية، ولتضبط حياتهم، وتحفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فليس من الحرية بمنطق العقل تجاوز هذه القوانين، إذا كانت من قبل العقلاء، ووضعت لتحقيق الشراكة في المجتمع الواحد.
مثال ذلك أحكام الطريق فقد شرّع الناسُ فيها حدوداً وقوانين لا يجوز تجاوزها عقلاً باسم الحرية، فلو تجاوز شخص ما الإشارة الحمراء بدعوى حريته، لما كان للقوانين فائدة، ولأنكرنا بذلك ما سنته العقول السليمة، وهذا نوع من الهذيان والتخلف والعبودية الذاتية، عبودية الأنا والذات.
هذا وقد جاءت شرائع السماء لإزالة بعض الضبابية، والتي خيّمت على العقل البشري وذلك من باب حفظ الكليات الخمس، وهي:(الدين والنفس والعرض والمال والنسل)، فتجاوزها لا يسمى حرية، بل في الحقيقة عبودية ذاتية لا غير، وهو تفسير خاطئ للحرية الحقيقية.
ولقد حاول الناس التنصل من هذه المبادئ والشرائع والقوانين بدعوى الحرية، فهذه في الحقيقة ليست حرية، بل تجاوز صارخ لحقوق الآخرين، فهذا تكبر وأنانية وحب للذات لا غير.
فشرائع السماء لم تأتِ أبداً، وفي أي حال من الأحوال إلى كبت حريات الناس، وإنما جاءت لأمرين، الأمر الأول: تحقيق الحرية الحقيقية بالترفع عن عبادة الذات والشيطان والشهوات، إلى عبادة الخالق سبحانه، والأمر الثاني: تهذيب الغرائز، لتكون وفق الفطرة التي خلق الله عليها الإنسان، قال تعالى:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
فالشرائع السماوية لم تكبت مثلاً غريزة التملك، فليست اشتراكية تسلب أملاك الآخرين، ليحوزها فئة من الناس ليتلاعبوا بها في نسق إقطاعيات معاصرة وبصورة مغلفة.
كذلك الشرائع السماوية ليست رأسمالية، الغاية فيها تبرر الوسيلة، دون مراعاة لأخلاق ولا قيم، فيسود في المجتمع الجشع والطمع والاحتكار، وغيرها من الأمراض المالية.
جاءت الشرائع لتهذيب هذه الغريزة، فمن حق الإنسان أن يمتلك مالاً من نقود وأراضي وغيرها، ولكن في دائرة الجماعة، ومن حله، فلا يكون مصدره السرقة أو الربا أو الغش أو أكل أموال الدولة، ليتصرف بها أشخاص وفق أهوائهم الذاتية، ويحرموا المجتمع منها، قال تعالى:(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
وفي جانب آخر نهت الشرائع عن التقتير، وأمرت بالاقتصاد، ونهت عن الإسراف والمباهاة، مع إخراج حق الله تعالى من صدقات وغيرها، قال تعالى:(وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا). فليس من الحرية بحال من الأحوال فتح العنان للنفس والذات، فتتملك من الأموال ولو ظلمت وبغيت، وفي المقابل تبخل أن تعطي الفقير والمسكين وابن السبيل حقه بدعوى الحرية الذاتية.

إلى الأعلى