الخميس 22 أغسطس 2019 م - ٢٠ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية تربوية في آيات غزوة بدر الكبرى «4»

قراءة بلاغية تربوية في آيات غزوة بدر الكبرى «4»

.. ثم يستمر الحكم، وتتوالى الأحكام:(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) أيْ: تؤمنون بالله، وبما أنزلنا على عبدنا، وهو كناية عن الرسول الكريم كناية عن موصوف، وقد ذكر هنا أهمَّ وصف، وهو العبودية التي هي شرف كبير لكلِّ عابد: أن يكون الله تعالى هو المتوجه إليه بالعبادة المصمود إليه في الطاعة، وفي كل شيء، و(ما أنزلنا ..) هنا كناية عن موصوف هو الآيات القرآنية التي تبين وضع الغنيمة، ووضع الموزَّع عليهم، فـ(ما) مبهمة تشمل كلَّ ذلك، والفعل (أنزل) بالهمزة يبين أنها جاءت من أعلى، أيْ: أن النصر وتبعاته والآيات التي تبين توزيع ذلك كله قد نزلت من حكيم حميد، والإضافة للتشريف «عبدنا» فقد نال شرفين: أنه عبد، وأن عبوديته لربه وحده سبحانه، ونون العظمة تشعر بالفخر والعزة، ونون العظمة دخلت في الفعل:(أنزلنا)، كما دخلت في الاسم (عبدنا) وهو كناية عن مراقبة الله لرسوله، وصدق عبودية الرسول لربه، فهما كنايتان متتابعتان في اللفظ نفسه، يوم الفرقان كناية عن يوم بدر، والعرب تسمِّي الحرب باليوم، فيقولون:(يوم داحس والغبراء)، (يوم بدر)، (يوم الخندق)، فهي كناية عن حرب بدر، أو غزوة بدر، وقد سُمِّيت ( يوم الفرقان) باعتبار نتائجها، وما رمت إليه حيث فرقت بين الحق والباطل، والتوحيد والشرك، والإيمان والكفر، والولاء والبراء، والنور والظلمة، فرَّقت تفريقًا تامًّا، ثم جاء البدل:(يوم التقى الجمعان)، جمْع المؤمنين الموحدين وجمْع الكافرين المشركين، هذا جمعٌ اتخذ طريق الله طريقا، وهذا جمعٌ اتخذ حزب الشيطان له سبيلا، والفعل (التقى) يبين خطورة اللقاء حيث حمي الوطيس، واشتد البأس، واحمرت الحدق، وبلغت القلوب الحناجر، وثبت أهل الإيمان وتملَّكوا أرض المعركة، وخاب أهل الشركة، وقتِّلوا، وأُسِروا، ومُرٍّغَتْ أنفُ الباطل في الرغام بفضل الله وملائكته، ثم بصدق أهل الإيمان، ولا يثبت إلا من كان مع الله، ولا يهرب ويترك سيقانه للريح إلا من هم مع الشيطان، ومن عاشوا لدنياهم، وفروجهم، وشهواتهم:» يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة»، والتعبير بالفعل (افتعل) يبيِّن مدى التداخل بين المتحاربين، وأنهم تواجهوا، وتقاربوا، ورأى كلٌّ منهم الموتَ قبالة عينيه، واستحرَّ القتل، وظهرت قوة المؤمنين، واضطربت أقدام المشركين، فالالتقاء تمَّ، وتواجه الفريقان، لكنَّ قدر الله غالب، ونصْره لأهله حاصل ومن ثَمَّ جاء تذييل الآية بما يثلج الصدور، ويبين قيومية الله، وأنه لا شئ يحدث في كونه بغير مشيئته وإذنه:(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، هذه جملة اسمية تقرِّر حقيقة عقدية في أن الله محيطٌ بكلِّ شئ، وعليمٌ بكل شئ، وقادرٌ على كل شئ، ينصر مَنْ لم يكن معه العدة والعتاد على من ملك أضعاف العدة والعتاد، ويمرِّغ أنف الباطل مَهْمَا كانت صولته، ويردُّ الباغي أيًّا كانت قوته، وقدَّم هنا شبه الجملة:(على كل شيء)، فهو كناية عن كمال الهيمنة، وتمام المقدرة على كل شيء في الكون، لا يشذ شيء عن ملكه، ولا يخرج شيء عن طوعه، و(قدير) صفة مشبهة، تعني شمول القدرة، واستمرارها على مدى الزمان، وفي كل مراحل الدنيا، فقدرتُه تامةٌ بكل معاني التمام، ومستمرة أزلا إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها، فهي كناية عن عظمة القدرة الإلهية، وكمال صفاتها، وهذا يريح أهل الإيمان في كل مناحي حياتهم، وخصوصا في موقف الحرب الذي تكون فيه النفس هلعة، مضطربةً، ويكون فيه القلب فزعا كذلك، مضطربًا، فيأتي هذا القول الرباني فيستقر معه الفؤاد، ويطمئن معه القلب، هكذا تبدو الآية بأساليبها، وجملها، وألفاظها، كلها يدفع إلى العزة بالانتساب إلى هذا الدين، والاعتزاز بعبودية الله، وأنه مع المؤمنين يوم بدر، وفي كل أيام المسلمين مع أعدائهم، أسأل الله أن يرزقنا صفاتِ أهل بدر، وأن يمتعنا بنعمة تذوُّق القرآن الكريم والعيش في أفيائه، وظلاله.

إلى الأعلى