الأربعاء 16 أكتوبر 2019 م - ١٧ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العدل أساس الأمن والاستقرار

العدل أساس الأمن والاستقرار

بداية لنتأمل هذا المثال: رجلان أحدهما يملك الزروع والأنعام، وثانيهما فقير محتاج، أما الأول فله تسع وتسعون نعجة، أي كان غنياً ثرياً بمقياس ذلك الزمان، والثاني له نعجة واحدة على قدر حاله، أي كان فقيراً محتاجاً، الأول رزقه الله من النعم، ومع هذا أخذ به الطمع والجشع ليضم تلك النعجة إلى نعاجه فتصير مائة، قال تعالى: )وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ).
فهذا داوود نبي الله، ورسوله إلى العباد، ما كان منه إلا أن يحكم بالعدل، (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ..).
فحكم لصالح الفقير، ومع حكمه العادل كان باكياً خاضعاً، مخبتاً متواضعاً، خشية أن يظلم أحدا في الحكم، فالظلم ظلمات .. (حسبي الله ونعم الوكيل) تخرج من فم مظلوم كفيله أن تسحق الظالم ولو بعد حين، وما ذلك على الله بعزيز!.
وداوود مع عدله وقسطه، ماذا كان حاله بعد الحكم: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، لم يخرج من محكمته متعالياً متكبراً، مائلاً إلى الدنيا وملذاتها، بل كان مع نبوته وعدله مستغفراً مسبحاً، خشية أن يكون بحكمه قد ظلم أحداً، فالجزاء عند الله عسير، وإن نجا الإنسان من حكم المخلوق فهل سينجو من حكم الخالق، في محكمة الله لا يظلم أحد أبدا!.
إنه أمر الله، وهل بعد أمر الله أمر:(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ).
لذا العدل في كل شي أساس الاستقرار في البلاد وبين العباد، بداية من العدل مع النفس، والبيت بين الأولاد والزوجات، إلى العدل في الحكم بين الناس بالسوية، والقضاء العادل المستقل الذي لا يفرق بين الناس أبداً، يُعطي لصاحب الحق حقه ولو كان فقيراً ضعيفاً.
ومن العدل بين الطلاب في المدارس فيعطى كل ذي حق حقه، والعدل بين الموظفين وتوزيع المهام والمشاركات حسب الكفاءة والمساواة، والعدل في توزيع الوظائف والثروات، والعدل في المحاسبة بين الجميع، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
فلا حاجة لصلاة وزكاة وصيام إذا كان المرء ظالماً غير عادل، ولا قيمة لإسلام انتسابا، إذا كان المرء لا يراعي قيم الإسلام العليا، وأعلاها بعد التوحيد العدل والقسط.
وما انتشر العدل في أمة إلا تقدمت ولو كانت كافرة، وما رفع العدل عن أمة إلا تأخرت وضعفت ولو ادعت الإسلام، والعدل هو الأمن والتقدم والاستقرار، ودونه التخلف والخوف والتشتت والضعف والزوال ولو بعد حين.
وعدم العدل في الأمم والمجتمعات مع بشاعته وظلمته، إلا أنه يزداد ظلمة وبشاعة، وطغيانا وفجورا إذا اقترن بالرشاوى والتزلف، والتملق وغياب القانون، فيفقد الإنسان إنسانيته وبشريته ليحصل على وظيفة، وأن ينجز له في معاملة، أو يحصل على أرض، أو يحظى بسفرة لتعلم أو علاج أو مهمة عمل، أو يقدم على غيره في ميعاد، فهذا داء وأي داء، وبلاء وأي بلاء!.
إنّ رفع العدل ظلم، ويزداد اسوداداً وظلمة أن يستغل به حاجة الإنسان ولو بتزلف أو تملق!.
إنّ مجتمعاً هذا سيسود فيه أنانية الذات، المهم هو أنا فقط، حيث أكون أنا أكون، فيسقط البعد الجمعي، ويضعف فيه ولاء الوطن، وعليه لابد من العلاج، بداية من الذات والقانون العادل بين الجميع، المراقب للكل، المجرم لأدنى درجات الرشاوى والاستغلال، وأن يكون الجميع يدا واحدة، لا فرق بين أحد أبداً، ولا يقدم هذا على ذاك لاعتبارات جنسية أو مذهبية أو عرقية، بل لاعتبار واحد هو العدل والكفاءة، حينها سيدرك المجتمع ثمرة العدل ولو بعد حين.

إلى الأعلى