الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. كرتون القات،، المتوسط،، بخمسة آلاف ريال

العين الثالثة .. كرتون القات،، المتوسط،، بخمسة آلاف ريال

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

لن تتوقعوا مثلما لم نتوقع فعلا، أن نجد تحت احدى اشجار،، طيق،، المثمرة الكبيرة المظلة فوق قمة احد جبال ظفار التي تكثر فيها مثل هذه الاشجار، لن تتوقعوا أن تجدوا تحتها بقايا مخدرات من نوع القات، فهذه منطقة قريبة من المدينة، ومأهولة بالسكان، ومأهولة بالمارة، ومأهولة بارتياد الزوار لمثل تلك الاشجار للاستظلال بظلالها التي انتصبت فوق القمم، لكي تشكل حالة ابداعية فريدة من نوعها تتناغم وتنسجم مع جغرافية المكان الرائع، بحيث أصبحت هذه الاشجار تشكل اهم ملامح الطبيعة الريفية في محافظة ظفار.
وقد اخترنا تلك المنطقة الاسبوع الماضي بصحبة مجموعة من الأصدقاء باحثين عن الهواء العليل فوق تلك القمم، وهاربين من ضجيج المدينة وضغوطاتها المتعددة، ومتطلعين لرؤية جماليات صلالة من فوق الجبال، ولم نكن نتوقع أن يعكر مزاجنا رؤية (كرتونين) مغلف كل واحد منهما بلون اصفر فاقع مثير للرؤية، ومدعاة للشك والريبة، وازدادت شكوكنا أكثر رؤية الأكياس الصغيرة المنتشرة في محيط الكرتونين، وكانت تستخدم للثلج للحفاظ على مادة القات المخدرة، وهناك مجموعة تساؤلات تطرح حول اختيار تجار المخدرات هذا المكان المأهول وغير المتوقع، لعل ابرزها الآتي، هل وراء الجرأة المكانية حسابات مضمونة أم كان خيارا اضطراريا لظروف ضاغطة؟ وفي كلتا الحالتين اين الرقابة؟ إذا لم تكتشف هذه الحالة القريبة مكانيا، فكيف ستكتشف الحالات البعيدة؟ وكلنا نعرف جيولوجية ظفار وتضاريسها المعقدة، تلكم تساؤلات تطرح ضمن تلك السياقات النظرية ووفق منطوق المعقول واللا معقول، فاللا معقول منطقيا أن يكون في تلك المنطقة مراكز وليس مركزا فقط لتجميع القات ومن ثم اعادة تسويقها أو تصديرها، وحتى لو كان مركزا واحدا، فلن تسقط علامات الاستفهام الكبيرة، وكذلك، فاللا معقول أن يترك التجار وراءهم اثار جريمتهم وهم يعلمون أن تلك الشجرة بالذات ستشكل في اي وقت عامل جذب للزوار للاستظلال بها ولقضاء اوقات ممتعة خاصة الآن بعيد فصل الخريف الذي يسمى محليا،، بالصرب،، مثلما حدث لنا، فقد قصدناها للغرض نفسه، واثارنا كثيرا مشاهد عمليات تفكيك الكرتونين لاستخراج القات الذي كان محاطا بمجموعة اكياس مليئة بالثلج، هل هؤلاء التجار بهذا الغباء حتى يتركوا وراءهم ما يدل على جريمتهم؟ لم اتردد ابدا في الاتصال بأحد كبار رجال التحريات الذي كان حضوره سريعا، وكم كان مفاجأة لنا عندما أوضح لنا أن هذا الموقع من مجموعة مواقع في المنطقة تشكل مراكز لتجميع القات … كاشفا بعد تحليله السريع لأثار الجريمة بأن هذه العملية تمت منذ أسبوعين فقط ، ماذا يعني ذلك؟ لا تعليق، ويمكن الرجوع الى ما سبق ذكره لاحقا حتى نفهم أين تكمن العلة التي تؤدي الى الاستمرار في ارتكاب مثل هذه الجرائم، ولما سألناه عن القيمة المادية للكرتون الواحد وهو من الحجم المتوسط وأحيانا يحتسب بالصغير، افاد بعد عملية حسابية، بأن قيمته تساوي (خمسة) الاف ريال عماني على اعتبار قيمة الربطة الواحدة ما بين (25،30) ريالا، تأملوا معنا في حجم هذا العائد المالي الكبير ، وهذا يشكل في حد ذاته أحد الدوافع لامتهان هذا النوع من التجارة ،،المربحة،، إذا أخذنا بعين الاعتبار قضية الباحثين عن عمل، بدليل ما كشفه لنا ذلك المصدر عن وجود تحول بعض الشباب صغار السن إلى تجار للمخدرات، ومربحة بدليل انكشاف المكان المأهول على هذا النوع من المخدرات، وبدليل جر صغار السن إلى مستنقع التجار والمروجين، وعقوبتها من بين (3-20) سنة سجن، فهل نريد هذا المصير لأبنائنا لا قدر الله، لن انسى، وكيف لنا أن نتناسى كذلك، اتصالات لمجموعة من النساء بنا يكتشفن فجأة ابناءهن مدمنين على المخدرات، ويبحثن عن حلول فورية، إنه شيء مؤلم جدا، بل مفجع جدا عندما تنهار أم وتحمل للمستشفى في غيبوبة بعد اكتشاف ان ابنها متعاط للمخدرات، وأنه نفس الشعور كذلك عندما يتم القاء القبض على شباب متلبسين بهذه الجريمة، فهؤلاء شبابنا، منا وفينا، مهما قربت أو بعدت مسافة القربى، فكيف بقربى الوطن أو الانسانية وما اقدسها كذلك، فما الحل يا مجتمعنا المحلي بل يا وطني؟
من الواضح، أنه يتم استغلال حالة اللا توقع لتجميع وتوزيع القات، فكلنا لن نتوقع للاعتبارات سالفة الذكر، لكن، انكشافات شجرة،، طيق ،، تحتم ضرورة تعزيز وتفعيل وتأهيل قوة الرقابة مع تقديرنا العالي والاصيل للجهود المباركة والمخلصة الفردية والجماعية والتي تعمل جاهدة ليلا ونهارا على حماية أمننا الاجتماعي، جهود غير نكرة ولا منكرة ابدا، لكن القضية فوق الواقع وامكانياته، والقضية تزداد تعقيدات كبرى، بدليل تحويل تلك المنطقة القريبة من المدينة، والآمنة والمطمئنة إلى عدة مراكز للتجميع والتوزيع، فهل ستتبنى السلطات قريبا ذلك المقترح؟ نعم نقولها صراحة إن القضية تحتم عمليات التعزيز والتفعيل والتأهيل وبسرعة إذا اردنا الحفاظ على سلامة ابنائنا بصورة عاجلة، وأمننا الاجتماعي على المدى المنظور، وإذا كانت هذه القضية تعني مجتمعنا المحلي، فيجب أن يفتح هذه القضية فورا مع سلطتنا المحلية، وتشكيل لجنة للبحث والاستقصاء والوقوف مع رجال الرقابة لشد ازرهم وللوقوف على حجم القضية الكبير والمتزايد، ورفع مستوى الوعي المجتمعي .. والا، فإن الوضع خطير جدا.

إلى الأعلى