الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. بيروت التي كانت !

باختصار .. بيروت التي كانت !

زهير ماجد

كتب أحد الاصدقاء الكتّاب مقالا بعنوان” كم بيروت في بيروت ” نعى فيه المدينة العربية، حين اقام مقارنة بين بيروت الماضي، والحاضر، وهو الذي اضاف انه حتى العواصم التاريخية مثل القاهرة وبغداد ودمشق لم تبق ايضا على حالها.
اوافق الرأي على انه كانت بيروت .. مثلما كانت العديد من عواصم العرب او مدنها المعروفة. ما حدث لعاصمة لبنان كثير وهمجي، فقد تعرضت لأبشع هجمة من كل نواحيها، وانقسمت بين شطرين شرقية وغربية، وتقاتل بداخلها الأصدقاء والأعداء، وهاجمها الجيش الاسرائيلي ودخلها بعد معارك طاحنة مع المقاتلين المدافعين عنها. ويوم انتهت الحرب، قامت احدى الشركات اللبنانية بسرقة روح المدينة فدمرته بدل ان تعيد ترميمه وبناءه .. ولم يحصل ان تعرضت مدينة أو عاصمة مثلما تعرضت له تلك الـ”بيروت” .. وقبل سنوات، دمرت الطائرات الاسرائيلية جزءا عزيزا من المدينة هو ضاحيتها الحنوبية..
مشكلة صديقنا الكاتب انه جاء إلى المدينة في الوقت الخطأ ايضا .. فهي تعيش ” غزوا ” من كل الاجناس، ولأن الوصف السياسي للوضع اللبناني انه يعيش مخاطر معروفة من تنظيمات وغيره، فقد اصبح الليل عند البعض كابوسا، لا يتركون بيوتهم اثناءه، ولا يبارحون إلى اي مكان خوفا من المفاجآت الامنية، التي تكررت مرات فدفعت اهلها ومن يسكنها إلى اخذ الحيطة والحذر بالبقاء في المنازل. وهي المدينة التي كانت لا تنام ليلا ، تساهر الليل حتى رحيله لتبدأ رحلتها مع دورة الشمس.
بيروت اليوم تعاني ألم الشقيقة سوريا، تعيش محنتها على مدار الساعة، تحتضن ابناءها الذين خسروا بيوتهم لتقدم لهم الضيافة الممكنة كي يعودوا بعد زوال الغيمة السوداء الى مواقعهم الطبيعية. فهي بالتالي على ألم المحنة السورية، تشاطر دمشق وجعها، لكنها ايضا تعيش الهم الليبي، والمصري، والعراقي … ولا تملك سوى الأمل في ان تعاد الحياة الطبيعية إلى تلك العواصم وخصوصا دمشق وبغداد، العاصمتان اللتان زينتا رحلة التاريخ بوجودهما واعطيا نفسا حرا للإنسان على مر الازمان.
من حق كل من عرف بيروت الماضي ان يسأل كما هو حال صديقنا الكاتب الضليع بشتى الثقافات، والعارف بما آل إليه تطور احوال العاصمة اللبنانية التي تعيش منذ العام 1975 حروبا متقطعة، بل مؤامرة كبرى كادت لولا مناعتها العروبية ان تنقرض أو تتلاشى إلى غير رجعة. واقول للصديق، ان وضع بيروت افضل بكثير من بعض عواصم العرب، والحياة فيها ميسورة جدا وقابلية العيش في اجوائها ما زالت مستحبة.
من المؤسف القول اننا نستعمل اليوم مع عواصمنا كلمة “كانت” لأنها ما زالت معلقة على مصير السؤال حول مستقبل المنطقة وبالتالي ما ستكون عليه. وافضل ترجمة لـ ” كانت ” اننا كنا فيها وكبرنا على احزانها بعدما نسينا افراحها، فترانا نقارن، وهذا الفعل غير صحيح في مدينة نالت نصيبها الوافر من التحطيم والتهشيم والتدمير والقتل على الهوية والذبح ايضا وكل ما يخطر على البال من اشكال التمويت.
لكنها تظل بيروت، أم المقاومات التي ارهبت الاسرائيلي فهرب مذعورا، والاميركي حين حمل قواته ورحل، والفرنسي حين لم يبق منه من يخبر وكل الآخرين الذين ظنوها سهلة بسيطة فإذا بها مساحة المناعة العربية وافق مستقبلها الذي سنراه في يوم موعود.

إلى الأعلى