الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأخوّة بين المؤمنين بالله

الأخوّة بين المؤمنين بالله

من المعلوم أنّ الله سبحانه وتعالى أرسل أنبياء ورسلاً، يدعون الناس إلى عقيدة التوحيد الخالصة له سبحانه، قال تعالى:(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).
والناظر اليوم في أمر الأمم يجد عقيدة التوحيد ظاهرة، واسم الله يردده الملايين من البشر، ومع ذلك انحرف البعض عن الجادة، ورجعوا إلى عبادة المادة، أو إشراك مخلوقات مع الله سبحانه وتعالى.
ومن هؤلاء اليهود، والذين كانوا على عقيدة التوحيد، وذكرهم بها من بعد إبراهيم يعقوبُ وابنه يوسف عليهما السلام، إلا أنهم مع مرور الزمان عبدوا آلهة المصريين، واتخذوا الكواكب والأصنام إلها من دون الله تعالى، فأرسل الله تعالى إليهم موسى عليه السلام، مبينا لهم وحدانية الله تعالى، وعظم جرم الشرك به سبحانه.
ومع ذلك بعد النجاة من فرعون وقومه مباشرة أرادوا اتخاذ آلهة من دون الله، حينما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، وذلك لطبيعتهم المادية، ولقرب عهد الشرك منهم، واستغلوا غياب موسى عنهم عندما اختلى بربه أربعين ليلة، حيث صنع لهم السامري عجلا جسدا له خوار، فعبدوه من دون الله تعالى، فأنكر عليهم موسى إنكارا عظيما، وذكرهم بأيام الاستعباد، وقد أراهم الله من الآيات، قال موسى ـ عليه السلام:(قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ).
ومع هذا ظلت عقيدة الشرك تظهر بين الفينة والأخرى مع بني إسرائيل، فكثر الأنبياء المجددون، ومع ذلك حتى الله لم يسلم منهم، فأظهروا اللهَ على صورة بشر، يمشي ويركض، ويخفي نفسه، وأنه جالس في السماء، ويده مغلولة، ويصارع أنبيائه، وزعموا أنّ عزيرا ابن الله، قال تعالى:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
واليهود حتى اليوم، ومع إقرارهم بوحدانية الله تعالى إلا أنّ مظاهر الشرك والتجسيم لله تعالى ظاهرة وبعمق فيهم، ومن ذلك اتخاذ الأحبار أربابا من دون الله تعالى، يزيدون وينقصون في تعاليم الشريعة كما لا يخفى.
وعندما جاء عيسى ـ عليه السلام ـ جاء ليصحح ما وقع فيه اليهود من أخطاء، فهو باعترافه لم يأت بدين جديد بل ليكمل، أي ليصحح الأخطاء، ويرجع اليهود إلى عقيدة التوحيد الصافي لله لا شريك له سبحانه.
ومع هذا عيسى لم يسلم نفسُه، فزعم أتباعه أنه ابن الله، ومنهم من زعم أنه الله في صورة بشر، فظهرت عقيدة التثليث، قال تعالى:(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
وإلى اليوم لا زالت عقيدة التثليث شاهرة مع النصارى مع اعترافهم بوجود الله سبحانه، ولفرارهم من الشرك زعموا أنّ الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة، وجسّموا الله كذلك كاليهود، وشبهوه بخلقه سبحانه.
ولئن كان اللوثريون أو البروتستانت حاولوا الخروج من عقيدة التأليه لعيسى ـ عليه السلام ـ ومع ذلك بقوا في إثبات بنوته لله سبحانه.
والله تعالى ختم هذه الرسالات بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) ليجدد عقيدة التوحيد، ويصحح الأخطاء التي أضيفت إلى التوراة والإنجيل، قال سبحانه:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).
ومع ذلك أبقى الأخوة الإنسانية بين أبناء الرسالات السماوية، ليس لرابط الدم الإنساني فحسب؛ بل لرابط الإيمان بالله تعالى، وإن وجد انحراف من قبل أبناء هذه الديانات، فهو لا يلغي الاعتراف بالطرف الآخر، والاجتماع على كلمة سواء، قال تعالى:(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).

إلى الأعلى