الأحد 22 سبتمبر 2019 م - ٢٢ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية في آيات الفتح المبين «2»

قراءة بلاغية في آيات الفتح المبين «2»

.. ثم يأتي قوله:(لك) واللام للملكية، والكاف خطابٌ لشخصه الشريف، وفـيه دلالة على محبته، وقصر الفتح عليه لأنه يمثِّل الأمة المسلمة إلى يوم الدين، فالكاف فيها تعظيم لشأنه، وبيان لمكانته، وإظهار لفضله ومنزلته عند ربه.
ثم يأتي السبب، وتبيين العلة في ذلك:(ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً)، ثم تتتابع الأفعال المضارعة التي تفيد الاستمرار:(يغفر ـ يتم ـ يهدي)، وكلها تتصاعد حيث: الغفران، وهو محو للذنب، ثم إتمام النعمة: بتمكين الهداية، وهي أفعال مرتبة منطقيًّا وقيميًّا وزمنيًّا، و كلمة «ما» مبهمة، تشمل كلَّ ما تقدم من عمل، وقول، مهما كان قدره، وكِبَره، وسعته، ووزنه، والغافر هو (الله) فلا محل لضيق أو ألم، ما دام مَنْ يملك المغفرة، ومن بيده كل الرحمة هو الذي غفر، وهو الذي أتم نعمته، وأنزل هداه، وكمل نعماه.
وبيْن (تقدَّم، وتأخَّر) تضادٌّ في الجملة، وتطابقٌ في اللفظ، (وبضدها تتميز الأشياء)، والضد يظهر حسنَه الضدُّ، والفاعل في الفعلين مستتر، فهو شامل كامل لكل ذنب، وكما يقولون: (حسنات الأبرار سيئات المقربين)، والإنسان عندما يبشر بالمغفرة لكل ما تقدم وما تأخر من حياته يسعد، ويطمئنُّ قلبًا وقالبًا، فما بالك بأطهر الخلق، وأكمل البشر، حينما يقال له ذلك، وينزل قرآنا يتلى إلى يوم القيامة؟!.
وإتمام النعمة غير إكمالها، فالإتمام أتمُّ من الكمال، فهو كمال في كمال، ووصول إلى منتهى الأمر، وغايته، ثم إن تخصيصه لضمير المخاطب الذي هو كناية عن شخصه الشريف:(عليك) فيه بيان منزلة، وكبير عناية، وكامل رعاية، ومخاطبته بالكاف كذلك هي تشريف وتكريم، لا يتخيله عقل، ولا يدخل تحت إدراك، كما أن الكاف في (يهديك) للتخصيص كذلك، والاهتمام، وفيها كناية عن المحبة، والقرب، فقد خصه بكل تلك النعم، وهاتيك المنن، وتنكير: (صراط)، ووصفه بـ (مستقيم) دلالة على سلامة المسلك، وصواب التوجه، والصراط المستقيم هو المحجة الواضحة، وهو أقصر طريق بين نقطتين، وفيه كناية كذلك عن سرعة الوصول لوضوح السبيل، وإذا وضح السبيل اتضحت الغاية، وقرب المنال، وسهل الوصول، ووصف الصراط بالمستقيم فيه استعارة مكنية، حيث شبَّهه بإنسان له عقل حصيف يستطيع من خلاله السير باستقامة، واعتدال، وفيه كناية كذلك عن اهتمام تام، ورعاية كاملة من الله لرسوله حيث مكَّنه، وبصره بالطرق الواضحة السهلة القريبة، و(مستقيم) اسم فاعل من الفعل السداسي:(استقام)، أي أنه مِنْ بَصَرِهِ ودقته صار هو الذي يفعل الاستقامةـ ويقوم بها، وينهض لها، فهو صراط عاقل.

إلى الأعلى