الأحد 22 سبتمبر 2019 م - ٢٢ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام «20»

مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام «20»

ثانياً ـ المؤاخذات على صناعة القانون: ولا تقتصر المؤاخذات على الإنسان في بعده المادي فقط، بل وتُجر إلى المؤاخذات في بعده المعنوي الذي نمثله هنا في أهم عنصر من عناصر تكوينه الفردي والاجتماعي وهو:(القانون) الشامل لمبدأ العدالة ولمبدأ الحقوق معاً، ويمكننا أن نلخص أهم المؤاخذات في هذا الجانب في التالي:
1 ـ لأن الكل يريد استكمال ذاته ـ سواء أكان هذا الذات فرداً أو بحكم الفرد كالمجموع الذي يأخذ حكم الفرد في شخصيته وأبعادها ـ فعندما تضع جهة ما قانوناً او تشريعاً تريده أن يكون هو الحاكم على الأمم والشعوب فإنها تعتقد أن هذا القانون والتشريع هو الأفضل والأحسن لها، لافتراضها صلاحيته في سوق البشرية السائرة إلى كمالها اللائق بها، وإسعادها به من كل الوجوه والجهات.
فإننا نجد في المقابل من يرى أن أُطروحته هي الأنسب والأصلح للطرح، ولكن .. من الذي يعطي لهذه الاُطروحة الشرعيةَ والمصداقيةَ، لتكون هي الحاكمة دون غيرها؟!.
فإن مثل هذه الرؤية للقانون، ومثل هذا التعامل مع التشريع، ومثل هذا التبني لمثل هذه الاُطروحات يوجب خلق حالة من تزعزع في الثقة في اُصول تلكم القوانين والتشريعات والُطروحات الوضعية، فجميع الأطراف تعتقد بصلاحية اُطروحاتها، وتؤمن بضرورة احترام سيادتها، وأن فرض أي اُطروحة على الاُخرى يعني اختراق سيادتها، وعدم احترامها، وهذا أمر في حد نفسه يخل بـ(نظام عدالة الاجتماع الدولي)، وبـ(منظومة الحقوق الإنسانية).
ومرجع هذا الاعتقاد إلى أن البشرية مزودة بنظام تكويني فطري في منظومتها العقلية، وهذا (النظام الفطري) يمنعها من الحكم على المتناقضين بصوابيتهما معاً، فلا يعقل لديها أن تكون الاُطروحتين المتناقضتين تناقضاً تاما مُحْكَماً ومع ذلك يحكم على كليهما معاً بالصواب، فإن هذا من المحالات الذاتية.
2 ـ عدم وجود اطمئنان من عدم انحياز القرار والقانون والتشريع، ومن عدم انحياز صُنَّاعِه أو منفَّذيه وموظِّفيه.
فإن دواعي الاستكمال للذات متوفرة وموجودة، وأن المجموع الذي يأخذ حكم الشخص الواحد لا يخلو من أحكام الفردية تلك لذا فإن ما تطلبه الفطرة من استكمالٍ لنقص ذاتها، وسدٍ لفقر نفسها يوجب لها حيازة ما تراها صالحاً لها أولاً وبالذات، وبالمقابل فهي تتنفر أو تدفع عنها كل ما يوجب منعها من تحقيق تكاملها، ومثل هذا الأمر بديهي، وغير ممنوع من أصل. ولكن ـ وكما بينا بأن الوقوع في الشبهة المصداقية أمر واردٌ جداً ـ فقد يميل صناع القرار إلى من يتوافق مع من ينسجم مع رغبتها وأهدافها، وبما أن الإنسان في اجتماعه مع الأخرين ينجذب إلى أفرادٍ متوافقين معه في الجملة، وإبعاد كل من يحتمل فيه أنه قد يشكل مانعاً لتحقيق أهدافه وغايته الفطرية، ففي هذه الحالة نجد أن احتمالية الانحياز إلى الأطراف المتوافقة ستكون واردة جداً، فهنا .. كيف يمكن إقناع المقابل الذي يخالف صانع القرار وموافقيه بأن ما يقرره هذا ليس (لوبياً)، ولا أمراً مخالفاً لمتطلبات الفطرة، أو الحقيقة، أو الواقع؟!!.وكيف يمكن إيصاله إلى مستوى الاطمئنان بالطرف المخالف له؟!.
وخاصة إذا ما استلم الطرف المخالف له إدارة القانون، أو وضع بنود تشريعاته، فقد .. بل يقيناً سيُتهم “القانون” بذاته بأنه قد صيغ بصياغة منحازة إلى فئةٍ، أو إلى مجموعةٍ، أو إلى طبقةٍ!.
فإذا ما وجدت بنودٌ في تشريعٍ ما، أو قانونٍ ما، أو اُطروحةٍ ما فإنه سيحاط بإشكالية الانحياز في الجملة وهذا بحد ذاته يمنع من الاطمئنان إليه، ولازمه عدم الاعتماد عليه، وعدم أخذه.
ووجود مثل هذه التهمة في البين كافيةٌ في خروج القانون عن الاُصول الموضوعية والإنصاف والعدالة، ويضعه في قفص التهمة؛ وتضعه في موضع الشك في النزاهة المطلقة، وإذا ما وردت مثل هذه الإشكالية في حجمٍ صغيرٍ من الاجتماع الإنساني، فإن ورودها في دائرةٍ أكبر وأوسع لأشد وآكد.

إلى الأعلى