الخميس 22 أغسطس 2019 م - ٢٠ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / البنية السردية وصدى المكان في”أصوات البحر” لسعود البلوشي
البنية السردية وصدى المكان في”أصوات البحر” لسعود البلوشي

البنية السردية وصدى المكان في”أصوات البحر” لسعود البلوشي

“أصوات البحر” مجموعة قصصية صادرة عن “بيت الغشام”سنة 2017 للكاتب سعود بن سالم البلوشي، وتقع المجموعة في 142 صفحة من القطع المتوسط، وجاءت مقسمة إلى أربع عشرة قصة هي : من حكايات البحر، دوائر الحلم، يوم في حياة موظف، تعيب، أحوال جنوب المعمورة، المستشفى، أصوات البحر، اجتماع، مساء البطل الأخير، سراج سوق الظلام، لوعة وقصص أخرى، حسينة، الإجازة ، مراكب مبحرة . تنطق عناوينها بدورات الحياة المتنوعة بأفراحها وأحزانها، ومسراتها ومعاناتها، وتقلبات الحالة النفسية والاجتماعية للإنسان وهي عابقة بعطر البلاد، إذ لا تكاد قصة من القصص تخلو من النكهة العمانية بكل ما تحمله بين ثناياها من الحب، والأمل، والانتظار، والحلم.
لقد عبر القاص سعود البلوشي بصدق ملفوف بمرارة قاتلة عن هذه القضايا فيما كتبه من هذه القصص، فجعلنا نتعاطف مع أبطالها وشخوصها من المتعبين والمهمشين اجتماعيا في هذه الحياة، كما جعلنا نلامس من المشاكل والعيوب التي يتخبط فيها واقعنا الخاص والعام على مختلف المستويات.ويقدم لنا أحيانا حلولاً أو علاجاً لها. وقد احتفت”أصوات البحر” بالمكان والزمان والشخصيات وما شكّلته من فضاءات مغرية بعيدا عن الثرثرة والسفسطة.
إن القاص سعود البلوشي في مجموعته يضعنا أمام صور مصطرعة من الخيال والواقع الذي نعيشه ونعايشه في ثقافتنا ومجتمعنا، لكن الجانب الواقعي هو الطاغي على الخيالي، وربما يعود ذلك إلى احتكاك القاص بالحياة العامة وانغماسه في الحياة اليومية للفرد، الشيء الذي جعله يحيك
ويرسم لنا لوحات متعددة الألوان. وبالرجوع إلى المجموعة نجدها تتحدث عن اليأس والاستبداد بالرأي والقطيعة والخصام بين الأرحام … ففي قصة ” تعيب” مثلا يصور القاص الحالة النفسية للشخصية التي تعاني من شظف العيش وكبر السن وعدم وجود المعيل”( ليس لدي عمل .. ليس لدي دخل.. شهرين ولم أجد من يأويني، شهرين ابحث عن عمل ولم أجد من يعاملني كإنسان ، نفذت فلوسي ……. وهنا اهتزت شفتا الشايب تعيب ولم يستطع السيطرة على موجة البكاء التي داهمته ).تعيب ليس مجرد اسم بل في حروفه يعيب على مجتمع لا يهتم به أو هي لحظة تعيب لحظات كثيرة لذا اختيار الاسم لم يكن اعتباطيا ولا بريئا.وهذا يحمل متلقي هذا الأثر الأدبي إلى رؤية معمقة للحقل الدلاليّ الذي لا تكاد تخلو منه قصة في المجموعة من انحياز الكاتب لطبقات المتعبين والمهمَّشين اجتماعيا، مصوراً معاناتهم ومحاولاً تغيير واقعهم برسم البسمة على عتبات حياتهم بتقديم وخلق الواقع الموازي المتمثل في غرس فكرة الأمل في المستقبل أو العودة للذكريات.. وكانت قصة “أصوات البحر” التي عنون بها القاص مجموعته خير شاهدٍ على هذا , من خلال شخصية العجوز الكفيف الذي يتخلى عنه حفيده في كل يوم بعد أن يسلمه للزاوية الغربية من الجدار ليتركه يتلمس الطريق بنفسه وما حملته القصة من أبعاد إنسانية من الكاتب تجاه هذه الشخصية، كما تحمل القصة خلاصة رؤية الكاتب وهي ضياع الإنسان وحزنه ومعاناته، إنه الألم يحاك بالسرد.(يمشي بي قليلا ويسلمني للزاوية الغربية من الجدار المتداعي ……. تتملص يده الصغيرة الطرية تفلت وتبقى يدي الكبيرة اليابسة ممدودة في الفراغ ).

اللغة القصصية
جاءت اللغة القصصية للعمل الأدبي واضحة متسلسلة، وقد راوح الكاتب بين الأفعال الماضية والمضارعة، حيث كان يهتم باستخدام صيغة المضارع في الحديث عن المشاعر والأحاسيس بينما استخدم الفعل الماضي للاسترجاع، واسترداد التاريخ والماضي .وقد سلك الكاتب نهجا سرديا يلامس الأسلوب الروائي، إذ عمد إلى تعزيز الحدث والسير باتجاه توسعة مساحة القصة زمانيا ومكانيا، وتوسيع مساحة العلاقات بين شخوص القصة، ولكننا لم نلحظ أنه يهتم ببناء شخصيات القصص، ونموها وتطورها وتجدد تفكيرها خلال الزمن القصصي، وأن كان يظهر بعض ملامحها وأسلوب تفكيرها في بعض الأحيان .
طرائق السرد
من طرائق السرد التي تلفت نظر القارئ في بعض قصص المجموعة، أن السارد الشاهد ، يسرد الأحداث دون ذكر أسماء الشخصيات كما هو الحال في قصة “المستشفى” وقصة “الإجازة” وقصة مراكب مبحرة … أما في قصة “حسينة” فإن “حسينة” تأخذ بزمام السرد من مرافقتها “جوخة” وهي تنظر إلى “قاسم” الذي يأتي فجرا ليقوم بجمع الألواح من مياه البحر” اقولش خالوه اذا بوسمه قاسم حالموه يلم الليحان من الغبة موه يبغالهن” فكان هذا الطلب هو المحفز الأساس لسرد القصة المؤثرة التي تصور برقة وشاعرية نماذج من الناس نعرفها في العديد من ولاياتنا بسلوكات غريبة قد تحول دون رؤية روح البراءة والطهارة والنزعة الخيرة في أمثال هؤلاء الناس البسطاء الهامشيين.
وتختلف الضمائر المستخدمة في قصص المجموعة وتعانق ما يسمى بلعبة الضمائر فتارة نجد ضمير المتكلم المفرد كما في قصة “يوم في حياة موظف”( كنت فخورا بكوني موظفا، ولي كرسي دوار، وطاولة لامعة) وطور ضمير المتكلم الجمع في قصة “أحوال جنوب المعمورة” (خرجنا مع الخارجين من تلك الدابة إلى بهو فسيح لامع)، كما نجد ضمير الغائب المفرد، كما في قصة “مساء البطل الأخير” (كان بطلا، وهو الذي بنى قصركم)، إلى المخاطبين بصيغة الجمع في قصة “اجتماع على سبيل المثال (الفتوا انتباههم إلى أن الدخول في المرة القادمة يجب أن يتم عبر البوابة الرئيسية للدائرة، إنها فلسفة تعدد الأصوات على حد عبارة باختين فالقص عند البلوشي ليس بفضاء الصوت الواحد إنما هو مجال لتعدد الأصوات وتصارعها مع أصوات التهميش والضياع والبحث عن المفقود.
الحوار
لا تكاد يخلو المتن القصصي المدروس من الحوار، ويمكن أن نقسمه إلى قسمين، الأول : الحوار باللغة الفصيحة، وهو المهيمن على المتن القصصي، ثانيا : الحوار باللهجة العامية المتطابقة مع طبيعة الشخوص القصصية، حتى تضفي واقعية ومصداقية على الشخوص والأحداث، كما هو الحال في قصة ” حسينة ”حيث بلغ الحوار بين الشخصيتين ( جوخة، حسينة) درجة كبيرة من الواقعية والتطابق مع طبيعتهما ووضعيتهما الاجتماعية.إن اختيار الكاتب للهجة اليومية مقصودا وموظفا فهو يرنو إلى غرس أقاصيصه في تربة الواقع الذي يتخبط في أحشائه.
الحب وكيفية تناوله في القصص
يمثل الحب قيمة أساسية من قيم البشرية؛ لأنه تجربة وجودية عميقة، تنتزع الإنسان من وحدته القاسية الباردة، لتقدم له حرارة الحياة المشتركة الدافئة، والحب تجربة إنسانية معقدة، إذ يعد أهم حدث يمر في حياة الإنسان؛ لمساسه بصميم شخصيته وجوهره ووجوده، فيجعله يشعر وكأنه ولد من جديد. و”يرى علماء التحليل النفسي أن غريزة الحب هي من بين الرغبات المكبوتة لدى الرجال والنساء .. وكان الحب الحاضر الغائب في المجموعة القصصية التي قدمها “البلوشي”، الحب كان يطوف في أرجاء القصص كالشبح، فلا نراه تماما، ولا يتمثل لنا في حركة الشخوص ولم تنطق الشخوص كلمات الحب، أوتبادلتها في حوار حقيقي مباشر، كما أنها لم تبادر في التعبير عن الحب حركة: بالعناق مثلا ـ ربما أراد الكاتب من وراء ذلك أن يقدم المجتمع في بيئته نموذجا للبيئة المحافظة ـ لكن روح الحب ظلت تطوف بالأمكنة، فابن عم حسينة يحبها ويلاحقها في كل مكان وهي تبادله الشعور نفسه ومع ذلك لم يلتقيا ولم يتقدم لخطبتها بسبب الخصام بين الأسرتين، وكأن قدر الحب أن يظل وهما لا حقيقة.والكاتب في مجموعته القصصية ينتصر للرجل وتضحياته من أجل من يحب فهو يسافر بالقاريء عبر التصور البديع إلى عالم “قاسم” في قصة “حسينة “.
المكان روح الحكاية
حضور المكان في المجموعة قائم بقوة ومتنوع بين الأمكنة المفتوحة والأمكنة المغلقة: البيت ـ المدينة ـ البحر ـ الطريق ـ مكان العمل.والمكان يمثل منبعا للشاعرية الجارفة، سواء بالانتماء أو التنافر، وهو رمز الحنين والانتماء، وهو أيضا مفجر لأحاسيس الغربة.
البحر : حاضر في السرد بكثافة فبالإضافة إلى قصتي “أصوات البحر” و”من حكايات البحر” يكاد لا تخلو قصص المجموعة من ذكر البحر والتعبير عنه كأنه الحياة المتوهجة التي تستشعرها شخصيات القصص بصورة يبدو فيها البحر مهيمنا على روح ووجدان البطل بل الكاتب كما تقول الشخصية الرئيسة في قصة “من حكايات البحر: “لقد شهد البحر ولادتي، سمع صرختي الأولى وأنا أهبط الأرض …..رافقني طيلة طفولتي، فكان يتسلل إلى مهجعي خفية في الليل، ويحكي لي الحكايات ويغني لي، وعندما أنام أحلم به ……كبرت وسافرت ولم أخبره فارقته وحين عدت إلى ساحله وراني تعكر مزاجه وهاج، فوقفت أمامه مستسلما واجما.المكان جزء من الشخصية إن لم يكن الشخصية ذاتها في حراكها النفسي.وها هو البطل يسجل علاقته بالبحر في قصة ” أصوات البحر” ومن بعيد أسمع نداء البحر وأصواته الناهمة تدعوني لكي اغتسل في مياهه وأتطهر من عمر لا يستحق التوقف عنده …….. الآن والبحر فاتح ذراعيه وهمساته اللحوحة تستحثني منادية …… وتأتي إلى ملوحتي النابضة بالحياة ومياهي الشفافة الدافئة الكفيلة بطرد شيطان الشيخوخة عنك.
المستشفى : يعتبر من أماكن الإقامة الإجبارية والمستشفى هو مكان له سيميائيته الخاصة المرتبطة نفسيا بالمرض والوحدة والألم .فهو مكان مرفوض بالنسبة إلى الذات وظهرت إحدى غرف المستشفى في المجموعة القصصية بأنها مصدر للازعاج وترويج الإشاعات من خلال ما كان يتم عرضه من قبل أحد النزلاء لمشاهد إعلانات دعائية يقوم بتسجيلها ويروجها بين المرضى الذين يتوافدون على غرفته كل ليلة عن قيام حرب جعل تأثيرها واضحا على المرضى بل وامتد إلى العاملين أيضا من الممرضين وهذا ما تجسده قصة “المستشفى “(عدت إلى سريري فوجدت الممرضة تطبب أحد المرضى الذين تدهورت حالته الصحية بسبب مشاهد الحرب المفزعة التي رأوها …… جاءت تدعوني لرؤية مشاهد الحرب ….. وفي الغرفة شاهدت التليفزيون يبث صورا للدمار والحرائق التي تلتهم كل شيء، بحثنا عن مكان نجلس فيه، إلا أن الغرفة كانت مكتظة بالنزلاء ، فاقترحت عليها الوقوف ….. خرجت وفي الممر بحثت عن الممرضة ….فقيل لي إنها سافرت مع زوجها هربا من جولات المعارك القادمة.
البيت :شكلت الغرفة أو البيت في كثير من القصص مكانا للألفة والهدوء وهو أقرب الأماكن للذات تشعر فيه بالانتماء.وقد قامت نظرية المكان بأكملها عند باشلار على ما للبيت من قيم تحيل على الحميمية والحماية فهو يعتقد أن ” كل الأمكنة المسكونة حقا والمحاط بها تحمل جوهر مفهوم البيت ” وتبدو الغرفة في قصص البلوشي مكانا تنفر منه الذات فها هو البطل في قصة “يوم في حياة موظف”يصور غرفته وما تحتويه فيقول(واقعد متربعا فوق سريري البالي، ابحلق في جدران الغرفة العارية) ويستعظم الأمر ويصرخ( سبع سنوات طافت بي وأنا في هذا المكان في هذه الغرفة ……أحسست بفظاعة هذا الوضع المتخشب.)وكذلك هو الحال للذات في قصة أصوات البحر نجدها تنفر من الغرفة فيقول البطل (انتظر حفيدي علي الذي يأتي كل عصر إلى غرفتي الضيقة المظلمة ). إلا أن البيت في قصة “حسينة ” رغم بساطته فهو مبني من بقايا الألواح التي تتقاذفها أمواج البحر إلا أنه يشع بالحب والحنان والعشق بين الزوجين أسماء وقاسم ( يسير وفي عينيه تشرق صورة أسماء التي تنتظر أن يلوح طيفه من بعيد وهي في غرفتها الخشبية ….فتنزل مسرعة لملاقاته …… فيدها اليسرى حذاء ليقيه رمضاء الرمال الحارقة ، وفي يدها اليمنى جدوية ماء بارد عذب).
وعلى المستوى الفني نجد قدرة القاص على رسم الشخصيات متتبعاً أدق تفاصيلها ليصنع لوحة تشكيلية يمكن تخيُّل جميع عناصرها مثلما نجد في قصة “يوم في حياة موظف “حين يقول على لسان البطل : (حتى كدت اأكره الصباح، أكره تلك الدقائق المحبطة المشحونة بالانكسار التي تعلن بداية المعاناة اليومية في الساعة السابعة والنصف صباحا.عشقت المساء ، فوقتئذ يبدأ هروبي إلى حياتي الخاصة …… صرت ابتعد عن الأماكن التي توجد فيها أرقام، أية أرقام ).
يمكن أن نختم بالقول إن مجموعة” أصوات البحر” إضافة رشيقة في فن القصة القصيرة العمانية على المستوى الدلالي والبنائي. وهي من الكتابات المحلية تندرج ضمن ما يسمى بالواقعية التحليلية.
المراجع :
ـ سعود بن سالم البلوشي (2017)، أصوات البحر، مؤسسة بيت الغشام، مسقط
ـ د.عبد الجبار العلمي (2015)، قراءة في نماذج من المجموعة القصصية لـ”أحمد بنميمون”
ـ سعاد شواهنة (2017)، قراءة في المجموعة القصصية ياسمين.

إلى الأعلى