الإثنين 19 أغسطس 2019 م - ١٧ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ولا يدوم إلا الله.. سبحانه وتعالى

ولا يدوم إلا الله.. سبحانه وتعالى

علي عقلة عرسان

ينْعُب لسان حال الزاحفين على أعتاب الصهاينة العنصريين وحُماتهم وحلفائهم الأميركيين والأوروبيين، من المكلفين بتشويه الإسلام، والدائبين على توجيه الإساءات للعرب، والعمل على تمزيقهم الأمة وتقزيمها وتقسيم أرضها، وزج العرب والمسلمين في اقتتال وفتن واستنزاف مستمر، لاستنفاد قدراتهم وأموالهم وثرواتهم، وإخراجهم من دائرة الوجود المستقل، والوعي الحاكم للخيارات والمصالح والقرارات والإرادة.. وزجهم في التبعية والاضطراب وصولا إلى العدم والبَوار.. يَنْعُبُ لسان حال أولئك يقول: “الإرهاب ليس ظاهرة طارئة بل هو جزء من تاريخ العرب منذ تأسيس الدولة الإسلامية”؟!.. فيا له مِن افتراء بحجم وجود، ويا له من حقد وكيد بحجم أطواد من حديد أغلال وقيود، ويا له من نفخ في نار الفتنة بين “السنة والشيعة”، بين المذاهب والطوائف والقوميات، واستمرارا في دفع كرات النار التي تكرج في المنطقة منذ سنوات وسنوات.. ويا لها من محاولات لمحو فضل مَن أسسوا أول دولة في الإسلام، ووصمِهم بالإرهاب “وهم مَن هم فضلا وقيمة وإنجازات”؟!.. ويا له من غُلوّ مذموم يتمطى تجاهلا لحقيقة أن الإرهاب، بالمفهوم السياسي العصري المتداول له ووفق تعاريف ومفاهيم قانونية تصفه، بدأ مع روبسبيير والثورة الفرنسية، وكان رأس الممارسات الرَّهيبة للاستعمار الأوروبي خاصة والغربي عامة، ولجرائم جيوشه في أنحاء العالم، ونهجا معلنا في دول وعهود رأسمالية وشيوعية، وتجلّى في العنصرية والنازية والصهيونية وفي الفاشية، وفي الإرهاب المنظم ذي الجرائم المشهودة في الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين كان العرب والمسلمون من ضحاياهما، كما كانوا ضحايا محاكم التفتيش السّيئة الصيت.. وكل تلك الممارسات أكثر من إرهاب دولة وجرائم إبادة تمارسه دول وجيوش؟! وما قامت وتقوم به الولايات المتحدة الأميركية منذ بداية هذا القرن ضد العرب والمسلمين هو أفظع الصور. وقد ظهر الإرهابُ ومورس وأدَّى إلى فظائع وجرائم كبرى ارتُكبت في آسيا “ماو وبولبوت”، وفي إفريقيا “التمييز العنصري” والمذابح في رواندا وغيرها، كما ظهر وتجلى في أوروبا حيث المذابح “العنصرية ـ الدينية” أغرقت المسلمين في البوسنة خصوصا في مستنقعات الدم والظلم والقهر.. وغير ذلك من الإرهاب كثير وكثير وكثير، والإرهاب لا جنس ولا هوية ولا دين له، كما اتفق على ذلك العالم بأسره.. لكن للافتراء والتلفيق والتزوير والتشهير أهداف، من أبرزها ربط الإرهاب بالإسلام، وجعل العرب والمسلمين يتآكلون بسببه حتى الإفناء، في حربهم بعضهم ضد بعض باسمه وعليه وعلى مَن يمارسه ومِن يُمارَس ضدهم؟!
والهول المَهول لا يكمن في هذه الألسُن الذلِقَة والتوجهات المَذِقَة وأمثالها فقط، بل في الذين يتلقَّفون الافتراء من مصادره وأدواتها، وينشرونه ويكرسونه وقائع، ويدافعون عن المفترين ويعلون شأنهم وشأن الافتراء بوصفه حقائق، ويصفون كذبهم بأنه صلب الحقيقة؟!.. كما يكمن الهول المهول في سكوت مَن يسكت، وطرب مَن يطرب، للافتراء والتشهير، ولنهش جسد أمة العرب والدين/الإسلام، مِن قِبل أعداء العرب والمسلمين وأدواتهم.. وفي مَن يرفع عقيرته ويردد الافتراء ويمجد الكَذَبة والمزوِّرين.. وفي مَن يغرسون أقلاما مسمومة في شرايين الضحايا، ويفيضون هَذْرا في وسائل الإعلام، ويعمقون الجراح، ويؤكدون كل ما مِن شأن انتشاره وترديده وتأكيده، باستهتار فاضح بالوقائع والحقائق والتاريخ، أن يرسخ الكذب ويرفَع الكذَبة أعلاما، ويجعل لآرائهم الفاسدة رواجا وتأثيرا، ويؤثل لهم مكانة، ويشيع بين أبناء الأمة تهافتا وتآكلا وضعفا واستكانة.. ليسهم كل ذلك في تحقيق ما يرمي إليه الذين يقفون وراء هذا النوع من التخطيط والتوجيه والتدبير لتدمير الذات العربية والإسلامية، والنيل من الدين والأمة، وصولا إلى إحباط الأجيال العربية وتيئيسها، وجعلها تتخلى عن الدفاع عن هويتها ومكانتها وتاريخها ووجودها، وحتى عن انتمائها باعتزاز لأمتها.
إن العداء للعروبة والإسلام عداءٌ تاريخي مستمر، مكشوف ومزمن ومعروف، ومَن يحملون ذلك العداء لها وله، وينطلقون من ذلك الحقد الدفين، ويشغلون أدواتهم لخدمة خططهم، معروفون ومكشوفون أيضا.. ولا مصلحة لأبناء الأمتين العربية والإسلامية في حمل راية أعدائها، ولا في خدمة أعداء كل سلم وأمن واستقرار وازدهار للشعوب، وأعداء كل قيمة خلقية وإنسانية، أولئك الذين يقهرون البشر وينهبون ويقتلون.. وهو عداء يتجلى إرهابا بصور شتى، وافتراء وتهما للضحايا بممارسة الإرهاب والمسؤولية عنه، في قلب للحقائق والوقائع شنيع.. وهو مما لا يقره عقل ولا ضمير، وفيه كل التأسيس للخراب الشامل، خراب الإنسان والعمران والضمائر والعقول، وفيه تشهير وتدمير، وإشعال للحرائق في الناس وزيادتها ضراما، والتأسيس لفتن تتوالد فتنا، ولحروب ما بعدها سلام، ولجعل وطن العرب بؤرة أزمات وميدان حروب وثارات، وحقل تجارب للأسلحة الجديدة، والسوق الأكثر رواجا لاستهلاك الأجيال الأقدم منها، ومساحات نفوذ للاستعمار، وأماكن تموضع واستقرار لقواعد الأعداء وقواهم..
ولأن القِدر لا يركَب إلَّا على ثلاث أَثافيّ، فإن ثالثة الأثافي عندنا في أرضنا “عقم سياسة وتبعية ساسة”، وفساد رأي وحكم وخيار وقرار.. الأمر الذي ينخر ما تبقى من حصون الأمة، بأقوال وأفعال وصراعات وحروب، يوحي بها مندسُّون، ويشنّها أشخاص يرون أنفسهم بدلاء لشعوبهم، وساسة في الأعالي ينظرون إلى الناس من أبراج عاج، ويصنفون أنفسهم في الخالدين، ومن المالكين للأوطان والناس، للجحيم وجنة النعيم.. أشخاص يضعون مصالحهم وبقاءهم فوق الأمة والدين، ويرفعون راية العروبة والإسلام تضليلا وكسبا لمزيد من الضالين المضلّلين.. يوالون الصهاينة العنصريين المحتلين وحلفاءهم الأميركيين، وكلٌّ من الإرهابيين، ويخدمونهم بأفضل مما يخدمون هم أنفسهم، ويسخرون لخدمتهم فيالق من أبناء أمتهم، وأموالا تُنفَق عليها، ويظهرون لهم كفاءة نادرة وقدرة فائقة على الخدمة، ويسهمون في كل ما يضعف سيادتهم ويكاد يمحوها، وفي كل ما يعزز احتلال أعدائهم لأرضهم وسيطرتهم على قرارهم وإرادتهم، ويخوضون حروبهم وكالة بادعاء الأصالة، ويشغّلون معامل سلاحهم وتجديد ذلك السلاح وتطويره وتجريبه بشعوبهم، ويفتحون لهم أسواقا بلا حدود، ويشترون مِنهم ما يقتلون به إخوتهم وبلدانهم وأمتهم ودينهم، وما يدافعون به عن قواعد أعدائهم وعن مواقع أولئك الأعداء على أراضيهم، ويدفعون نفقات الاحتلال والاستعمار والنهب، ويصادقون بإكبار وانبهار على عقود صفقات سلاح تَحظَر عليهم استخدامه ضد أيٍّ من أعدائهم المحتلين لأرضهم، المستهدفين لأمتهم ودينهم، المُدنسين لمقدساتهم.؟! وثالثة الأثافي هذه، هي “أم الأثافي” والأدواء والعلل، وأقواها وأصلبها وأقساها على الخَلق.. وتتمتع بحماية وعناية وضمان تام لفاعليتها، ولديمومتها ما دامت مطواعة ونافعة وتودي الخدمة على أكمل وجه.
وهؤلاء المأمورون بالسير بأمتهم نحو الهلاك، لا يفوِّتون فرصة من دون إعمال الفتك فيها، وابتلاع التشكيك في حاضرها ومستقبلها وماضيها، وتجريعه للناس، ونشر ما يضرم النار في جسد الأمة، وما يجدد العداوات بين أبنائها وأقطارها وجيرانها.. وهم بذلك وسواه يقومون بالتخريب والتشكيك والفتك والتدمير، ويقدمون للعنصريين والاستعماريين أوراق اعتماد تتجدد، وعهود ولاء تتوثق، ومواقف هي زُلفى لينالوا بذلك حظوة ورعاية وحماية.. وتراهم كلما تهافتوا أكثر واستماتوا أكثر.. تصدح بتمجيدهم أبواق، وترفعهم أقلام، ويلمِّعهم إعلام.. فيتباهون بدفع “الأتاوات والترضيات أموالا ودماء وثروات؟!
فيا الله من وضع قل نظيره.. إذ نادرا ما نجد عداء مكشوفا، وحقدا موصوفا، واحتلالا دمويا إجراميا مديدا، تمارسه دولٌ ضد أمة وثقافة وهوية وعقيدة.. ومع ذلك يخدمها أبناءٌ من أبناء تلك الأمة المُستَهدَفَة: “بولاء أعمى، وتفانٍ يبلغ حدًّ الهوس، ويخوضون حروبها ضد أعدائها وضد أنفسهم وذويهم، ويكونون وكلاءها الأشداء وأولياؤها الأوفياء”؟!.. ومن أجل إظهار ولائهم لها بأجلى صوره، يدمِّرون بيت أبيهم، ويسهِّلون نهب أموالهم وثرواتهم، وانتهاك مقدساتهم، واحتلال أرضهم، وتدمير أوطانهم..؟! فتكون جوائزهم: “حظوة شخصية، وتهليل وتطبيل وتزمير وتلميع، ووعد بوجود وخلود..
ولا يدوم إلَّا الله سبحانه وتعالى..

إلى الأعلى