الثلاثاء 18 يونيو 2019 م - ١٤ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : لإنتاجنا الفكري الرصين .. ألف ألف تحية

في العمق : لإنتاجنا الفكري الرصين .. ألف ألف تحية

د. رجب بن علي العويسي

يشكل الإنتاج الفكري الرصين قيمة مضافة في نهضة المجتمعات وتقدمها وبناء إنسانها وقدرته على المحافظة على هويته والمشاركة الفاعلة في تأصيل ثقافة الوعي وترقية مفاهيم الإصلاح والتنمية والتطوير، ومدخلا تنمويا لتطوير مواردها واكتشاف قدراتها وصقل تجاربها وإعادة إنتاج القوة في منظومة عملها، لذلك كان عليها أن تؤكد عليه وتعمل على تحقيقه، وتعزيز حضوره وتوجيه الاهتمام به لما يؤسسه من ذاكرة حضارية متفردة لبناء منصات التميز؛ لذلك ينطلق تناولنا للموضوع من معطيين رئيسيين ينبغي أخذهما في الاعتبار عند أي جهود تسعى لتعزيز الفكر المنتج وتصحيح مسارات الاستهلاك المعرفي وتعميق مساحات الانتقاء لمصادرها والتثبت من مصداقية محتواها وموضوعيته وقابليته للاستمرارية والتجديد، حيث يأتي الأول في: جملة المفاهيم والأفكار والقناعات التي بات يتداولها المجتمع بين مثقفيه وكتّابه وأدبائه وخبراته والمهتمين بالقضايا العلمية والدراسات التشخيصية والاستشرافية حول موقع الفكر الرصين والثقافة الواعية والفكر المتألق في منظومة الأخلاق والحياة والعمل المؤسسي وبناء الدولة، ومستوى حضوره في المنافسة الداخلية والخارجية، والاعتراف بقوته في نهضة المجتمع وتقدمه، وإدخاله في صناعة السياسات التنموية والقرار الوطني، وثانيهما: الحالة المزاجية التي باتت ترافق منصات التواصل الاجتماعي وموقع الفكر الرصين والوسائل والأدوات المستخدمة لتحقيقه فيها؛ وما تعبر عنه حالات الإعجاب أو إعادة النشر والتعقيبات ووجهات النظر حول الموضوعات المطروحة والمتداولة من نوعية الفكر والثقافة والسلوك الذي تروج لها هذه الفضاءات الكونية المفتوحة، والفهم السائد لدى مستخدميها والتي تظهر حالة عدم التكافؤ حول نوع الفكر الذي يريده المجتمع عامة والشباب خصوصا والأشكال التعبيرية المعبرة عن صورة الممارسة في هذه المنصات، مقابل ما ينشر من معلومات أو أفكار أو صور أو وسائط قد لا تمتلك البعد الفكري والرصانة العلمية والمنهجية في الطرح أو القوة في الأسلوب أو الكفاءة في المحتوى؛ في حين أنها تحظى باهتمام كبير ومتابعات كثيرة وإعجابات وتداول يفوق الخيال، بما يعبر عن هوس مجتمعي للفكر السطحي والمعلومات المبتذلة والأفكار التي تروج العاطفة وتثير الغرائز وتبحث في الماء العكر.
وبالتالي بات وجود هذه المعطيات يطرح نقاشات مستفيضة وتثير تكهنات حول نوع الفكر الذي تحتاجه الأوطان، وطبيعة المعرفة المتداولة التي تؤسس للنجاح وتصنع الفارق، وتضمن الوصول بالمجتمع إلى منصات القوة، وتعكس تحولات إيجابية تظهر في فكر أبناء المجتمع وقناعاتهم وأنماط حياتهم وقراءتهم للواقع الداخلي والحالة العالمية واستفادتهم من الفرص المتاحة في نقل التحول لصالح توظيف المنتج المعرفي والعلمي والفكري لصالح إنتاج التنمية، وما يطرحه ذلك على دور المفكرين والعلماء والباحثين والكتاب والصحفيين والإعلاميين وصناع الكلمة وبناة الفكر، ومروجي المعلومة، حول القيمة الناتجة من التزامهم مسار التوازن والاعتدال والطلاقة الفكرية والرصانة المعرفية وحسن اختيار مصادر المعرفة، وإدارة المعلومات والبيانات وانتقائها، وتوظيف الإحصائيات والمؤشرات، وطريقة ترويج الأفكار ودقة اختيار المعلومة وسبرها وقواعد العمل التي تدير حركتها وتضبط مسارها، في مقابل ما يمنح للفكر الآخر(غير الرصين) الذي يروج للإشاعة ويثير الغريزة ويؤجج الخلاف ويبني السخافات ويزيد من حالة الخلاف ويشوه الصورة المعرفية، ويفصح عن الوجه الآخر المملوء بالغرائز والشوائب ويتجه بالمجتمعات إلى الاهتمام بسفاسف الأمور وتضييع الوقت في البحث في قضايا خلافية أو مسلمات عامة وغيرها.
وفي الوقت نفسه فإن ما يطرحه واقع التعاطي مع الفكر والمعلومة عبر منصات التواصل الاجتماعي يثير الكثير من التساؤلات ويطرح علامات الاستفهام حول مستوى الجدية في التعاطي مع الفكر الرصين، فمع الإقرار بأن هناك العديد من القضايا التي تتناولها هذه المنصات، وقد قدمت ميزة تنافسية للوعي المجتمعي وفهم ما يدور في خلجات الشباب ـ أكثر مستخدمي هذه المنصات ـ إلا أنها رصدت حالة من التباين في طريقة تعاطي الشباب مع ما يطرح من قضايا ويثار من أحداث، وما حملته من دلالات في قراءة السلوك، وفي فهم التصورات وحالة مزاجية في التعامل مع المنتوج الفكري لهذه المنصات، والتي تتجه إلى الإثارة والإشاعة والنكت والفكاهة، وغيرها من الممارسات الفكرية التي تفتقر لسلوك مهني يستفيد منه المجتمع في إدارة واقعه الاجتماعي والوقوف على التحولات التي يمر بها في جوانب الاقتصادية والاجتماعية (الجرائم والأخلاق ومنظومة القيم والعادات) وثقافة الشباب وغيرها، وهي دلالات تعكس حالة التباعد بين طبيعة الفكر الذي تؤسسه هذه المنصات، وحالة الانطباع الوقتية والممارسة الشكلية غير واضحة المعالم، وما أصلته من قناعات أو ولدته من حالات التشاؤم والإحباط وعدم القبول للفكر الرصين أو إبراز التدني في الفكر الشبابي وحالة الابتذال الفكري التي بدأت تصاحبه في اتجاهه للسطحية في التفكير والشكلية في المنتج المأمول في كل وسائل نشر المعرفة وإنتاج المعلومة، بما يمثلها من مادة إعلامية أو مقروءة أو مكتوبة أو مسموعة يترجمها، مقال أو إصدار أو قصة أو رواية أو مادة أدبية أو علمية أو ثقافية أو معرفية أو إعلامية أو ترويجية أو صحفية، ومستوى محافظتها على النص الكتابي والخطابي في إطاره المتوازن، في وقت أصبحت المنافسة تتجه فيه لصالح الأفكار الأخرى على حساب الإنتاج الفكري المؤطر لفلسفة الأخلاق والالتزام والقيم والمهنية والرصانة العلمية، والمتجاوب مع ذائقة الاختيار للمعاني والألفاظ والأفكار والكلمات والعبارات.
من هنا بات على المؤسسات الثقافية والإعلامية أن تعمل على تصحيح هذه القناعات وإعادة توجيه الاهتمام بالكتابات والإصدارات والمحتوى العلمي والمعرفي والثقافي والفني النوعي، وتأكيد التنافس فيه وترقيته بالشكل الذي يضمن قدرته على تقديم إنتاج فكري رصين للمجتمع يطور من أدواته ويصحح آليات عمله وينقل إنسانه إلى مرحلة أعمق من بناء مشاعر الإيجابية وإعادة هندسة الذات، إذا ما سلمنا أن أكثر الإشكاليات التي يعاني منها الإنسان المعاصر تتجه إلى البناء الفكري ومدى قدرته على صناعة مواطن يمتلك الممكنات الفكرية المناسبة في التعاطي مع مشكلاته وقضاياه، كالتحليل وإدارة المعلومات وتصحيح المفاهيم وإنتاج الفكر، فإن مشكلات التحزب والاندفاع والأحكام المطلقة وضعف ثقافة الحوار، والتجاذبات في وجهات النظر، وحالة اللااستقرار في الفكر، وضعف مساحات التعايش الفكري، وزيادة حدة التراشقات الفكرية والأخلاقية عبر منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الإعلامية وتمجيد الإشاعة وسرعة الاتهام وغيرها كثير، نتاج لضعف التأسيس الفكري الرصين الذي عانت منه المجتمعات، وتعرضت فيه إلى انتكاسة أخلت بالعلاقات، وأضمرت القيم، وعززت العداوات، وأرهقت الموازنات وأسست للفكر المتشدد والفكر المتسلط القائم على مصادرة أفكار الآخرين، حتى أفقدت الشباب هوياته، وأذهبت ريح إنسانيته، وعظمت من ثقافة الاتكالية، وعدم احترام معايير التنافس، ونشوء لغة الصراع على المصالح.
عليه كانت الحاجة في ظل هذا النزغ الفكري إلى تقوية الممكنات الفكرية والنفسية والتشريعية والإنسانية والأخلاقية، التي تؤسس للإنتاج الفكري الرصين وتعمل على إشاعته، وتزيد من حضوره وتعمل على نشره وتقوية كفاءة الدعم المقدم للمفكرين والكتاب والباحثين والمكتشفين والمبتكرين وصناع الكلمة الطيبة في زيادة إنتاجهم العلمي وطباعة إصداراتهم وتشجيعهم على هذا المسلك وإذكاء روح المنافسة بينهم، وتعزيز وجود الجوائز التنافسية الوطنية والعالمية وزيادة أعداد المشتركين فيها والترويج له؛ والاهتمام بالإنتاج العلمي والأدبي والثقافي والفكري والأمني والإعلامي الذي يلتزم المعايير الفكرية، فإن عملية إشاعة الفكر الرصين يعني الاهتمام بزيادة التوسع في أعداد المجلات العلمية المحكمة في قطاعات العلوم الإنسانية والتطبيقية وفي مختلف المجالات العلمية والثقافية والسياحية والتراثية والاقتصادية، والإكثار من البحوث الاستراتيجية والتركيز على فرص الإنتاجية فيها، وزيادة عدد إصدارات الجامعات ومراكز البحوث الوطنية والمؤسسات في قطاعات التعليم والموارد البشرية والاقتصاد، وتشجيع القطاع الخاص على تبني استراتيجيات عملية في تشجيع الشباب على الإنتاج الفكري الرصين ومساهمته في نشر البحوث العلمية وزيادة الدوريات العلمية المحكمة في هذا الشأن.
إن من بين الأمور التي ينبغي التأكيد عليها في السياق نفسه، أن البناء الفكري الرصين يستدعي اليوم تكاتف جهود المجتمع، وتأسيس حضور ثقافة مجتمعية تمجد المعلومة الهادفة، وتنشر الفكرة الرصينة وتروج للقضايا النوعية مستفيدة من مؤشرات الواقع ومستوى الثقافة التي يمتلكها مجتمع الشباب واتجاهاتها، وهي عملية تأتي عبر التشجيع المستمر، وتأسيس الفكر الرصين، والمحافظة على سقف التوقعات منه عالية، والعمل على تأكيد حضوره في الخطاب اليومي والتعاملات الاجتماعية والحوارات المجتمعية، ونقله من حيز التنظير إلى الواقع، عبر توفير أدوات الرصد والقياس، وتعزيز إجراءات التطبيق للأفكار الرصينة والمعلومات الهادفة، وتوعية الناس بها وتسريع شيوعها ونشرها في مختلف الوسائط الإعلامية الرسمية، والاهتمام بالعمل على التثمير في العقل الاستراتيجي الوطني الذي يحاور البناء الفكري والأخلاقي، ويقترب من الصفاء الروحي، ويمتلك حس العرفة وإدارة مصادرها، ويقترب من احتياجات المواطن اليومية، وإعادة هندسة تفكيره بطريقة علمية تتسم بالعمق والمهنية والتحليل والتوازن والقوة والمصداقية وتثمير المعرفة المفيدة وتقوية عوامل انتشارها في المجتمع والترويج للفكر الإيجابي المتوازن، وعندها سوف يعمل المجتمع على إعادة هندسة أفكاره ويتجه أبناؤه نحو المنافسة في تأطير الفكر النوعي والابتعاد عن الأفكار الداعمة للانحلال الخلقي أو تهييج الغرائز وتجريد العاطفة من الأخلاق والقيم والتهور في المواهب وتجاوزها لمفهوم التواضع والمهنية والواقعية، ووقاية التفكير والطموحات والتوقعات من التهور والاندفاع والشطط وتحويل الإعلام الرقمي إلى منصات للتراشق الفكري والكلام اللاأخلاقي.
إننا نفاخر بأبناء عمان تميزهم ومنافستهم الفكرية والثقافية والإعلامية والمهنية في كل المواقع العالمية وهو تعبير لما يحمله إنسان هذا الوطن الغالي من شغف العطاء وحب التميز وجاهزية المنافسة وقوة الهدف وسمو الإرادة وحس الرغبة؛ ومع ذلك عليه أن يضع في أولوياته أن يكون إنتاجه الفكري الذي يقدمه للإنسانية رسالة حياة تبعث السلام والأمل وتعيد إنتاج الممارسة العالمية لتقترب أكثر من معين الأخلاق وسمو الغايات وقوة الأهداف، وتعكس عن ما تحمله الثقافة والفكر العماني من قوة واعتدال معرفي واتزان ديني وتسامح فكري وتعايش انساني وتهذيب عاطفي ونماذج راقية في العمل الدائم والإخلاص المستمر، فيصبح ما نفاخر به نماذج حياتية مضيئة وممارسات فكرية راقية وإنتاج معرفي وأدبي مصححا للمسار الإنساني، وضامنا لبناء أولويات الحياة، ويبقى تعظيم الإنتاج الفكري الرصين وتقوية منصاته ونشر معطياته وتقريب إنتاجيته للواقع وتصحيح المعلومات والمفاهيم حوله، وإعادة توجيه الاهتمام به من قبل الشباب الصاعد كتابا ومثقفين وإعلاميين وأكاديميين ومعلمين وطلبة وقراء ومتابعين ومشاهير في منصات التواصل الاجتماعي والسناب شات، والاهتمام بحضوره في مؤسسات التعليم العالي والمدرسي وغيرها، الطريق لخلق تحول نوعي نحو إعادة هيبة الفكر الرصين في المجتمع وتأطير انتشاره من جديد، فهو بذلك المساحة المشتركة التي يمكن خلالها توليد البدائل وصقل التجارب وتصحيح المسارات وإعادة هندسة الواقع وترسيخ قيم التغيير المخطط في الحياة، فإن قدرتنا كأفراد ومؤسسات وتشريعات وتعليم على إعادة توجيه المسار الفكري وبناء أرضيات القوة التي تتسع للكتاب والباحثين والمؤلفين والمتعلمين والأكاديميين لإبراز إنتاجهم الفكري الرصين وتزويد المكتبة العلمية الوطنية بالمعارف الرصينة والمؤلفات التي تصنع الإنسان وتبني الوطن؛ سوف يكون لها رجعها على المدى البعيد، وعندها سنزول كل التكهنات التي باتت تصنع من الفكر الآخر، مادة تختزل كل معاني القوة والأخلاق والتجديد الفكري التي يتمتع بها الفكر الرصين والكاتب المحترف، وفي الوقت نفسه سوف يصنع منه ثراء فكريا يتجاوز كل حالات التشويه والاغتراب والاندفاع والفجوة والاختلال والاختراق التي قد يتعرض لها عندما يغرد خارج سرب المجتمع ويتجاوز حدود الهوية ويخترق صفوف الثقافة الوطنية في اتزانها واعتدالها ورقيها.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى