الثلاثاء 18 يونيو 2019 م - ١٤ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : الزمن الجميل

باختصار : الزمن الجميل

زهير ماجد

ليس من الصعب معرفة التاريخ العائد لجملة “الزمن الجميل” التي نسمعها دائما وحتى من أجيال جديدة لم يتسن لها أن عاشت هذا الزمن. ثمة تأكيد أنه الأبيض والأسود في السينما، والأغنية الطربية وموسيقاها العذبة، وكذلك المسرح والفن التشكيلي، وكل أشكال التعبير .. لكنه قبل تلك السنوات التي كان فيها العربي شامخ الرأس مرفوع الهامة معتزا وينطبق عليه قول الشاعر إبراهيم ناجي في قصيدته “الأطلال” “واثق الخطوة يمشي ملكا”.
هذا كله تحقق في زمن واحد، فهو المقصود بالتالي، إنه زمن الخمسينيات والستينيات من الزمن الماضي وحتى جزء من السبعينيات .. وبصريح العبارة إنه الوقت الذي سادت فيه روح الناصرية في مصر والعالم العربي، وكان لها زعيم ونهج وأهداف، محمية بقوة الكبرياء الوطني والقومي، ومعززة بروح انتمائها إلى عالم يجب أن يشبهها لما لها عليه من دالة .
التلفظ بجملة “الزمن الجميل” تذهب فورا بهذا الاتجاه أعلاه، لا يمكن التفكير ولو للحظة بأن هنالك زمنين، بل واحد لا غير، انتمت إليه الأمة ومشته بخيارها ولم يكن مهما ماذا تدفع؟ مع أنها دفعت الغالي والنفيس في بعض مراحله ولم تتخل عنه .
إذا سمعنا أغنية من ذلك الزمن طربنا، مع أن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب اعتبر أن الطرب العربي انتهى يوم توفيت أم كلثوم في فبراير العام 1975 .. ومن المصادفة أن ثلاثة من كبار هذا الزمن توفوا خلال سنوات متقاربة فيما بينهم. فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم، ثم لحقهم عبدالوهاب فانطفأ تاريخ كبير من العطاء والتمايز الفني، بل أغلقت إلى الآن كل الأبواب إلى العملقة التي شكلها هؤلاء.. فأصبحت دنيانا تجارب غنائية معظمها فاشل. ولا تسل عن بقية الفنون أيضا، وحتى الكتابات في أشكالها المختلفة .. بل إن الحس الوطني والقومي بلغ شأوا كبيرا، حتى أن شاعرا كبيرا مثل صلاح عبد الصبور توقف قلبه لأن بعض زملائه عايروه بعدم قدرته على منع دخول وفد إسرائيلي إلى معرض الكتاب المصري إبان حكم أنور السادات .
تفرحني جملة الزمن الجميل وبالذات حين يطبعها ابن جيل جديد في أي موقع إعلامي .. هو يعترف بأن زمانه ليس جميلا، أو هو مشوه في بعضه .. وأن السياسة الأساس في هذا المفهوم تشكو من أوجاع ومن آلام لا حصر لها، بل هي لم تكن كذلك خلال عمرها الذي عاش بعد الازدهار الوطني والقومي .. الاعتراف سيد الكلام، ولا بد أن يظل سائدا أكثر .. وحينما سئل محمد عبدالوهاب عما إذا كانت أم كلثوم ستعيش طويلا في أذهان العرب أمام أمواج التغيير، أجاب بنعم لأن ما تملكه من قدرات ليس موجودا ولا متوفرا في أي آخر حالي، بل وفي المستقبل.. فهي بالتالي سوف تبقى مدرسة الزمن الذي يشبه جيلنا وعلامة علاماته.
عشنا وشفنا كما يقال، مؤسف أن الأجيال التي لحقت بجيلنا، لم تر بل سمعت وقرأت، ومن الطبيعي أن التأثير الفعلي الذي يظهر في حياة المرء هو معايشته للحدث أو للشخص أو للقضية .. أن ترى من تحب ليس مثل أن تسمع عنه، أكبر الحسرات في حياة شاب مثلا أنه لم يعرف أمه أو والده الذي توفي باكرا وأثناء طفولته الصغيرة غير الواعية لما يجري حواليها .

إلى الأعلى