الإثنين 19 أغسطس 2019 م - ١٧ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / بعد اندرويد ترامب.. ماذا عن الإنترنت؟!

بعد اندرويد ترامب.. ماذا عن الإنترنت؟!

فوزي رمضان
صحفي مصري

لك التخيل .. أن يفاجئ ترامب العالم، في ظل خصوماته المتكررة مع معظم الدول، ويكبر الموضوع في دماغه، وبتغريدة على “تويتر” يقرر بلا مقدمات قطع الإنترنت عن العالم، على أساس أن أميركا هي مخترع هذه الشبكة، وتحتفظ بـ”سيرفرات” عملاقة من شبكة جوجل على أراضيها، ليعيش العالم بعدها في ظلام دامس، أفظع من قطع الكهرباء، وأشد تخلفا من عصور الجاهلية.
قبل الخوض في هذا الخيال، نعرف في ظل مغامرات ترامب واستخدامه دبلوماسية الصفقات، كونه تاجرا معروفا قبل أن يكون رئيسا لأميركا، وفي ظل الحرب الاقتصادية الشرسة بين العملاق الصيني وبين أميركا المتسيدة العالم، استخدم ترامب شركة هواوي الصينية جزءا من صفقة تجارية، ووسيلة مساومة في المفاوضات الحساسة بين الدولتين، ذلك عندما أعلنت شركة جوجل الأميركية تعليق ترخيص نظام التشغيل اندرويد لهواتف هواوي استجابة لقرارات ترامب.
لكن لماذا هواوي بالذات؟! تعتبر هذه العلامة التجارية الصاعدة بقوة الصاروخ هي أكبر مصنع لمعدات الاتصالات وأكبر مزود للشبكات في العالم، كما تعتبر البائع الثاني عالميا للهواتف الذكية، بمعدل بيع 45 مليون وحدة سنويا، بنسبة نمو بلغ 37%، متفوقة على شركة آبل، وتستعد للتربع على عرش التكنولوجيا العالمية، وأيضا لتفوقها على أميركا في تطوير شبكات الجيل الخامس اللاسلكية، التي ستغير وجه العالم الرقمي، من استخدامها في السيارات ذاتية القيادة، إلى الجراحة الروبوتية.. إذن الموضوع كبير!!
لقد جاء الهجوم الترامبي تأكيدا لمخاوفه من قوة هواوي المتزايدة في مجال البنية التحتية اللاسلكية؛ كونها الشركة المعجزة بكل المقاييس، منذ أن أنشأها (رن تشنج) المهندس السابق في الجيش الصيني عام 1987 برأسمال 30 ألف دولار، لتصل الآن إلى 100 مليار دولار. وقبل أن تخشى من قطع الإنترنت من جهازك، لك أن تعرف أن كل كلام ترامب ببساطة مجرد ثرثرة (هجس) لماذا؟ لأن ترامب لا يتعامل مع بلاد الواق واق؟! إنها الصين .. الوحش التجاري والتي لن تترك شركاتها في مهب الريح. ومن الفعل جاء رد الفعل، فقد لوحت الصين هي الأخرى بصفقة المعادن الأرضية النادرة مثل السكانديوم والاتريوم وغيرها، والتي تستحوذ الصين على 90% من إنتاجها، وتستورد منها أميركا 80%، وفي حال توقفت الصين عن تصدير تلك المعادن ستضرر صناعات السلاح والتكنولوجيا الأميركية. وقد سبق أن استخدمت الصين هذا السلاح ضد اليابان عام 2010، وحسمت النزاع لصالحها على جزر سكياكو.
.. تراجع ترامب قليلا، وقرر جعل المهلة ثلاثة أشهر فقط، كما تراجعت جوجل، واستمرت في تزويد هواتف هواوي بتحديثات اندرويد المغلقة والمفتوحة، لكن لم تغفل هواوي تلك الصفعة التي أدت لانخفاض أسهمها في السوق العالمي؛ لذا تعمل الآن في صمت وسرية تامة في تطوير برنامج خاص لهواتفها بعيدا عن الاندرويد وبعيدا عن العربدة الأميركية. بات اقتناء الصين لنظام تشغيل بديل أكثر إلحاحا مع تصاعد الصراع التجاري، وسوف تتعلم كل الدول الصناعية الكبرى درسا قاسيا في كيفية امتلاك ناصية أسرار العلم الرقمي مهما كلفها من أموال طائلة، وسوف تخرج هواوي من الأزمة أكثر قوة وأعلى قيمة، لتتسيد عالم الذكاء الاصطناعي بعد أن أصبحت العلامة التجارية رقم واحد والأكثر شهرة في العالم.
أما الإنترنت… فمن حسن الحظ لا أحد بعينه يتحكم فيه، لماذا؟ لأنه ببساطة عبارة عن عشرات الآلاف من الشبكات المتصلة به، والتي يديرها مقدمو الخدمات، سواء حكومية أو خاصة وعن طريق بروتوكولات أو قوانين خاصة تخضع لها كافة الأجهزة المتصلة بالإنترنت، وتتصل كل الشبكات الرئيسية حول العالم عن طريق توصيلات عبارة عن كابلات نحاسية وألياف ضوئية، وموجات راديو وأقمار صناعية، تبدأ وتنتهي عند أطراف الإنترنت التي هىي هاتفك أو حاسوبك الشخصي.
يعني بعيدا عن شطحات ترامب، الذي لا يمكن ولا يستطيع ولا يتحكم في وقف هذه الخدمة في إطار بروتوكول الاتحاد العالمي للاتصالات الذي يمول دوليا، ويعتبر بمثابة المحكمة العليا للإنترنت، وعن طريق لغة محددة ونظام رقمي، يتكون من الصفر والواحد فقط، تصير هي اللغة التي تتحدث بها كافة الأجهزة الإلكترونية حول العالم، لكن ممكن في إطار الصراعات المجنونة أن تدمر شبكات الكابلات التي تمخر عباب المحيطات، ويمكن للشركات الأميركية التلويح بسلاح تحديثات الهواتف الذكية لبرامج مثل الفيسبوك أو الانستجرام من أجل التنافس التجاري، لكن بعيدا عن غدر الزمان وغدر ترامب، “إنترنتك” براحتك (ما في خوف)، فقط ادفع الفواتير.

إلى الأعلى