الأحد 18 أغسطس 2019 م - ١٦ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / شربل داغر : لا نزال نعايش ثقافة تقليدية في الكثير من أحكامنا ومعاييرنا وذائقتنا، والمنظور العروضي يتحكم بمسائل الذوق والنظر إلى الشعر وإلى القصيدة
شربل داغر : لا نزال نعايش ثقافة تقليدية في الكثير من أحكامنا ومعاييرنا وذائقتنا، والمنظور العروضي يتحكم بمسائل الذوق والنظر إلى الشعر وإلى القصيدة

شربل داغر : لا نزال نعايش ثقافة تقليدية في الكثير من أحكامنا ومعاييرنا وذائقتنا، والمنظور العروضي يتحكم بمسائل الذوق والنظر إلى الشعر وإلى القصيدة

حاوره ـ فيصل بن سعيد العلوي :
جعلت منه باريس باحثا، ونال من بيروت الشعر … عاش مسارين مختلفين، ارتبطا ببعضهما في جانب من الجوانب، إلا أنه في الذي منحه الشعر عاش ويلات الحرب وغدرها، بل ـ كما يقول ـ انقاد إليه مثل قدر مثالي، مثل مكافأة دون أن يفقه قيمتها، أو احتياجه إليها… أما باريس فأدخلته إلى المدرسة من جديد، إلى المدرسة الجادة هذه المرة .. اعتمد في دراسته على عملية منهجية مركبة من خلال العودة إلى القصيدة في تجاربها الغربية، ونظرته لها بمعايير شعرية، ونقد عربيين قديمين خلص إلى أنها عملية لازمة في حسابه المنهجي … كان وما زال يتساءل: كيف يمكن الحديث عن مستقبل قصيدة النثر وماضيها مطويٌّ من دون تفقد، وحاضرها لا يزال محل حوربة وتخندق في غالبه “يكرر نظرته” ويؤكد الاستمراية لأنه ـ كما يرى ـ يتحقق سنة تلو سنة من أن النقد ضعيف ويتراجع!

الدكتور شربل داغر شاعر و كاتب و روائي لبناني له العديد من الإصدارات باللغتين العربية والفرنسية تُرجم بعضها إلى الإنجليزية والألمانية والإيطالية وغيرها، فاز مؤخرا بجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الفنون والدراسات النقدية، عن كتابه “الشعر العربي الحديث: قصيدة النثر” وهو من منشورات منتدى المعارف، بيروت عام 2018 وقد اعترف في هذا الكتاب أن قصيدة النثر صعبة الدرس لا يتوافر لها منظور تحليلي مناسب وموافق لطبيعتها وأبنيتها.
حينما التقيته في حفل توزيع جائزة الشيخ زايد للكتاب في أبوظبي وقد لفت نظري كتابه الفائز قرأت بعضا من تجربته لأستوفي به حوارا كنت آمله أكثر عمقا من هذا، لكنه “الوقت” لم يسعفني إلا بهذه المساحة ،،،

* نبدأ من حيث وصلنا اليوم، وتتويجك بجائزة الشيخ زايد للكتاب: كيف ترى أهمية تتويج المبدعين بجوائز مهمة تنتصر للإبداع وكيف ترى حال الجوائز الإبداعية في شتى مجالاتها وفي مختلف أقاليمها ؟
** تتويج المبدعين ـ كما تحب أن تقول ـ باتت عادة عربية متبعة، بل تتنافس حكومات وحكومات عربية على قيامها ونشاطها.
اللافت في أحوال هذه الجوائز هو أنها تصدر عن حكومات في غالبها الأغلب، فيما تتوكل بها دور نشر وجهات مستقلة في أكثر من جائزة وبلد. ذلك أن هذه الجوائز تستبدل أو تحل محل جوائز الدول، من تقديرية وتشجيعية وغيرها، وتصبح جوائز عربية جامعة.
لست ضد هذه الجوائز، بطبيعة الحال، لأنها تقوي التنافس بين الكُتاب، عدا أنها تعوض، بقيمتها المالية، ما لا يتوافر للكاتب في عائدات النشر.
إلا أن أحوال بعض الجوائز باتت تتكشف عن ظواهر تنافي التنافس نفسه، وتجعل الاختيار المسبق يتحكم بها… وهي جوائز تحتاج إلى مراجعة في واقع الأمر، إذ تتكرر في بعض الأحوال.

* باريس جعلتك باحثا وبيروت منحتك الشعر. حدثنا عن مسارين مختلفين وإن ارتبطا ببعضهما في جانب إلا أنك في الذي منحك الشعر عشت ويلات الحرب وغدرها …
** القسمة بين باريس وبيروت صحيحة، والشراكة بينهما صحيحة أيضًا. ففي بيروت تعلقت بالشعر، بل انقدت إليه مثل قدر مثالي، مثل مكافأة تتأتى قيمتها من هالة تظللنا، غيري وأنا، من دون أن نفقه سبب نعمتها، أو قيمتها، أو احتياجنا إليها. هذا الاندفاع وراء نجم الشعر يكاد أن يكون طفوليًا في سيرتي، وهو أبعد ما أصل إليه في استرجاعي لهذا الشغف القديم، الذي جعلني أتلعثم بكلمات مختلفة عما كنت أحفظه، ومختلفة التركيب عما كنت ألفته في كتبي المدرسية. لا أعرف مقدار الوصل والفصل بين متعة الطفولة ومتعة الشعر، حيث إنهما يترابطان ويتتابعان، ويرافقانني في حياتي، فوق سكتَين لازمتَين لمسار قطاري في الحياة وبين السطور.
أما باريس فقد كان لها أن تعلمني، أن تربيني، أي أن تُدخلني إلى المدرسة من جديد، إلى المدرسة الجادة هذه المرة. قد لا يصدق البعض ما أقوله، إذ يعرفني أستاذًا جامعيًّا بلغ أعلى الدرجات والمسؤوليات في ترقيه الأكاديمي. ومع ذلك قولي صحيح، إذ إنني – على الرغم من تفوقي في سنوات التعليم الأولى – ما لبثت أن انصرفت عن الدراسة، وشغلتني عنها الحياة نفسها. شغلتني بلهوها، كما شغلتني السياسة بالتزاماتها.
لهذا يمكن القول إن بيروت، بل حرب بيروت، هي التي أعادتني إلى المدرسة من جديد، ولكن في باريس. فقد كانت الحرب امتحانًا قاسيا للذات، إذ خبرتُ في الحرب السياسةَ، وفي عمر كنت قد خرجت فيه من طيش المراهقة الأحمق، ما جعلني أستعيد وأراجع وأمتنع وأتوقف عما كنت مندفعًا فيه.
لهذا كتبت في غير شهادة أنني تعلمت الأبجدية من جديد في باريس… وتعلمت خصوصًا ما أسميه: “انبناء المنهج”، أي كيف يقوم؟ كيف ينتظم؟ كيف يعمل؟ فالنقد ليس متاحًا، كما يُظن، وكما يمارسه كثيرون. هو مما لنا أن نبنيه، أن ندقق في لزومه، في صلاحيته، في مصداقيته…

* الستينات والسبعينات شهدتا سجالات في فترة ذهبية يتصدر فيها الآن أسماء ذلك الجيل وكان للطمأنينة ـ كما تقول في أحد حواراتك ـ دور كون أن الثقافة كانت لها قيمة والقصيدة كانت مشتهاة ؟ وكأنك تشير إلى أنه سيكون أقل شأنا لو أتيح لك بعد ١٠ سنوات من تلك الفترة أو بشكل أدق ستنظر له بوجه آخر… كيف ترى ذلك وأنت الآن بعد أكثر من ٤٥ عاما تحصد جائزة مهمة تعترف بقصيدة النثر؟
** لا يسعني أن أكون أكيدًا من أجابتي، إذ إن الحياة، بل ظروفها، هي التي صنعتني، هي التي قادتني في هذه الوجهة أو تلك، وفقًا لعروضها ولما تدبرته معها وفيها. فأنا أعتقد – في ما يخصني ويخص جيلي – أننا تربينا وفق تربية عامة، وطنية إذا جاز القول، تحكمت بها عوامل المنافسة والتميز، على أن الثقافة فيها علامة للتصدر الاجتماعي. هذا ما تراجعتْ صورته بعد وقت، بعد اندلاع الحرب، إذ حلت قيم أخرى محلها…

* عودة إلى ما ذكرت إن الفوز هو الاعتراف بقصيدة النثر وشرعنة لها في حين أن الفوز واقعا ليس شرطا أن يكون كذلك وممكن كذلك أن يكون ، فهل أنت مقتنع أنها شرعنة في وقت شبعنا نحن كقراء من الجدل المتكرر الذي يلازمنا بين الشعر والنثر؟
** لا أعرف ما إذا كان فوز الكتاب بالجائزة سينهي أو سيخفف من هذا الجدل. لو سلمتُ بما صدر من مقالات وتعليقات إثر الفوز لما وجدت رفضًا أو تعريضًا أو نقدًا… لكنني لا أعتقد بتوقف هذا الخلاف، لأن أسبابه متعلقة بثقافة شعرية لا تزال تلوك، في بعضها، أفكارا واعتقادات باتت بالية، ولا قيمة لها – بكل أسف – في أي نقاش جاد حول القصيدة والشعرية.
عالم الشعر، وأشكال القصيدة، تغيرت هنا أو هناك، فيما لا يزال بعضنا يستعيد أقوالًا مكرورة ومستعادة من دون فحص أو تبصر.
الظريف أن بعض منتقدي هذه القصيدة يحاربونها بحجة أن ما يَظهر من إنتاجاتها ضعيف الشعرية. هم محقون في وصفهم وتقويمهم، وأشاركهم فيه، لكنهم لا ينظرون إلى ما يتراكم في الكتب، فوق المنابر، على شاشات التلفزيون، من رداءات عروضية، تمجها الأذن قبل النقد.
أعتقد أننا لا نزال نعايش ثقافة تقليدية في الكثير من أحكامنا ومعاييرنا وذائقتنا، وأن المنظور العروضي يتحكم بمسائل الذوق والنظر إلى الشعر وإلى القصيدة.

* يقول عز الدين المناصرة إن قصيدة النثر كما هي نص تهجيني شعري مفتوح عابر للأنواع ومستقل !! هل توافقه ؟
** لا أحب الحديث عن التهجين، إذ يعني ويشير ضمنًا إلى ثقافة تمامية، واحدية، لها مثال وحيد، فيما أرى في الأدب توليدًا وتكثيرًا لا ينقطعان.

* لماذا خلصت إلى أن قصيدة النثر النوع الأكثر انتشارا والتباسا في آن واحد كما طرحت ذلك في كتابك الشعر العربي الحديث قصيدة النثر؟
** هذا ما يظهر بجلاء في أرقام حركة النشر العربية أينما كان.
أما أنها نوع ملتبس، فهذا يشير إلى طبيعتها التأليفية، إذ تستدعي مقومات بنائية وأسلوبية وتركيبية مختلفة، وتجعلها تتعايش وتتحول كذلك في فضاء القصيدة.

* الدكتور خليل حاوي في الصف حينما كنت تدرس النقد الأدبي الحديث وجه سؤاله لماذا تكتب قصيدة نثر، ووجهك لكتابة التفعيلة؟ بغض النظر عن اعترافه بك شاعرا في الفهم الآخر الذي أشار إليه الدكتور ميشيل عاصي ! ما هو المعنى الخفي الذي أشار إليه أستاذك ، ولماذا أربكك سؤال يفترض أن تكون إجابته في طرف لسانك؟
** لا أعتقد أن هذه الحادثة تستحق كل هذا الاهتمام، حتى في سيرتي نفسها، إذ إنها تعني – من ناحيتي – رفضًا لأي تحكم في خياراتي. وهو الشيء الذي تبينته في كلام أستاذي، حتى لو بدا في كلامه الإطراء – الضمني على أي حال – بموهبتي الشعرية.

* قرأت لك أنك تنتقد الحد الفاصل بين النثر والشعر العربي وأصنافه ؟ لماذا ؟
** هذا صحيح. وهو ما لا أتوانى عن قوله، وعن كتابته. ولقد انتهيتُ إلى هذا الرأي بعد درس مستفيض، سواء في الأدب القديم أو في الأدب الحديث. بل يمكن القول – كما درست – إن التقابل والتشابه قام بل انتظم فيهما بين الشعر والنثر: يكفي العودة إلى النثر الفني القديم لكي نتحقق من أنه كان يسعى إلى التمثل بقواعد الشعر، وإلى توليد قيم مقابلة له. أما في الأدب الحديث فقد انمحت الكثير من الحدود الفنية والجمالية والأسلوبية بين النثر والشعر، أو تخالطت، ولا سيما في “الشعر المنثور” منذ مطالع القرن العشرين. وهو ما استمر وتعزز في العقود التالية…الحوار طبيعي، لازم، بين النثر والشعر، في أي عهد، في أي ثقافة. فكيف إذن يطلب الكُتاب تجاورًا، بل تواشجات بينهما. لندرس الشعر العربي الحديث، سنجد بأن السرد، على سبيل المثال، بات عنصرًا بنائيًا لازمًا له في أحوال كثيرة، وهو من النثر.

* كيف استطعت اعتماد عملية منهجية مركبة من خلال العودة إلى القصيدة في تجاربها الغربية ونظرتك لها بمعايير شعرية ونقد عربيين قديمين ؟ بمعنى ماذا خلصت؟
**هذه العملية المنهجية المركبة لازمة في حسابي المنهجي. فلقد وجدت أن النقد القديم عالج مسائل تخص النثر والشعر، مثلما عالجها بعد قرون في النقد الغربي.

* تقول (تعددت ميادين كتاباتي وتنوعت إلى درجة تفاجئني أنا نفسي فكيف بالناقد أو القارئ ، لا أعلم أولا هذه النظرة التي تعنيها إيجابية أم سلبية ؟ وكما يبدو إنها نظرة تباهٍ بمنجز تراه أنت هكذا وربما يراه آخرون عكس ذلك .. السؤال من يقيم من؟ وهل بالضرورة أن يتلاقى رأي المتلقي بعظمة ترضي غرور الشاعر أو المبدع عموما ؟
** أين وجدت، في حديثي، التباهي والغرور؟! سؤالك غريب للغاية. تحدثت في كلامي عن تعدد مناحي الكتابة لدي، ولا سيما عندما أقدمت على كتابة الرواية في السنوات الأخيرة، أو كتابة التاريخ المحلي الخاص ببلدتي…

* من يقرأ كتابك: “يا حياة أتوق اليك…”، يدرك تأثير الواقع الجديد على الكتابة. فالبعض يراك مندمجا معه وغريبا عنه ، متفردا، محافظا على سمة خاصة به. كيف أثر هذا الفضاء الجديد على تجربتك على مستوى النص كنص أو على مستوى انتشاره؟
** قصيدتي تعايش زمنها، وتتفاعل معه، فتتحول، وتحافظ، في الوقت عينه، على ما طبعها في مجموعات سابقة.
لا أعتقد أنني تغيرت كثيرًا في هذه المجموعة… وإن ظهر فيها موضوعات أو معالجات مباينة لسابق تجربتي. ما أراه مختلفًا حقًا فهو تجدد البناء وتغيراته في أكثر من قصيدة. وهو ما يعنيني، وهو ما يغني تجربتي الشعرية، في حسابي.

* مشاهد الطفولة في النص الشعري لشربل داغر تجدها متجذرة في أغلب كتاباتك. هل هو اشتغال محكم ومقصود تعزز فيه طفولة افتقدت شقاوتها أم هي محض صدفة تبحث عن حلاوتها؟ أم أنه كما تقول انحدار إلى المدينة وتفعيل لمنطقة الخيالات الأولى؟
** قد يكون الشعور بموت داهم هو الذي يعيدني إلى مشاهد البدايات… قد يكون القرف مما يدور تحت نظري من أهوال وأحوال هو ما يعيدني إلى مشاهد منتقاة، مصفاة، تكون فيها الحياة ممكنة، ومحتملة في صور وأحوال بهيجة… قد يكون البحث في الجسد – الواحد في نهاية المطاف – هو ما يحركنا، ويجعلنا نسافر فيه، فيما لا نبرحه…

* استحضار التاريخ في الرواية لتسمو إلى رواية يقال عنها تاريخية أشير إلى أنه يعد خرقا كما يذكر الكثير من النقاد أو حتى بعض الروائيين أنفسهم لأسس الرواية الحقيقية ، بمعنى أن ملازمة التاريخ لها يجردها من التسمية (رواية) ؟! كيف تعلق وأنت الذي بدأت كتابتك للرواية فجأة كما تقول !
** هذا ما استحضرته في رواية واحدة، وهي تجعل من حقبة تاريخية مغمورة مسرحًا لها. لا أعتقد، بالمقابل، أن التاريخ يفسد الرواية، إذ إن أي رواية تعول على تاريخ سابق عليها، لكي تمحض الحكاية معناها، الثابت أو المتغير.

* كيف رأيت الفن الاسلامي من خلال بحثك المتعمق في هذا الفن خاصة وأنك ترجع انطلاقته من فرضية اللغة؟
**عملت منذ كتابي الأول في الفن الإسلامي، على أن اللغة خصوصًا، قابلة لإعانتنا في فهم هذا الفن، وجماليته.

* كيف أثرت عليك تقاطعات رامبو بين قراءتك لشعره وترجمته؟
** هو الشغف عينه. لا يزال رامبو محرضًا كبيرًا لي في الشعر. ومن يعد إلى مجموعتي الأخيرة، “أنا هو آخر…”، فسيتحقق من كوني جعلت إحدى جمله عنوانًا للمجموعة، عدا كوني أفردت له فيها عددًا من القصائد.

* في الختام قرأت لك حوارا في صحيفة الغد في ٢٠١١ تقول فيه وهو ما نختتم بها حوارنا : كيف يمكن الحديث عن مستقبلها وماضيها مطويّ من دون تفقد وحاضرها لا يزال محل حوربة وتخندق في غالبه ؟ الآن ونحن في العام ٢٠١٩ أسألك عن مستقبل القصيدة بالنثر؟
**هذا ما قلته، وأعيد قوله، ما دام أنني أتحقق سنة تلو سنة من أن النقد ضعيف ويتراجع، عدا أن تاريخ الشعر العربي الحديث بأطواره وأشكاله وأنواعه لم يدرس بصورة وافية وصحيحة.

إلى الأعلى