الثلاثاء 18 يونيو 2019 م - ١٤ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / دولة الاحتلال ومفهوم ترميم الردع

دولة الاحتلال ومفهوم ترميم الردع

علي بدوان

أرهقت مسيرات العودة خلال عام كامل، مراكز القرار في دولة الاحتلال، التي بدأت حركة سياسية لم تتوقف حتى الآن مع عدة أطراف إقليمية لوقف تلك المسيرات مقابل التخفيف عن الحصار الظالم والجائر المفروض على القطاع منذ العام 2007. وللأسف فإن تلك الأطراف الإقليمية هي أطراف عربية، وضعت نفسها في موقف المحايد بين الطرفين، ولم تضع نفسها في موقف الداعم والمساند للشعب الفلسطيني، ولرفع الحصار الظالم عنه في القطاع وعموم الضفة الغربية الواقعة أيضا تحت الحصار بشكل أو بأخر.
وفي التقدير “الإسرائيلي”، لفتت دراسة، أعدها رئيس قسم الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا في جامعة تل أبيب، والرئيس السابق لدائرة الجبهة الفلسطينية في شعبة “الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية” العقيد ميخائيل ميلشطاين، إلى أن “مظاهرات مسيرات العودة، من حيث خصائصها ومدتها مختلفة كليا عن النزاعات التي خاضتها إسرائيل في هذه الجبهة في العقود الأخيرة. وإثر ذلك، من الصواب تعريفها كـمعركة جديدة”. واعتبر أن “بدايتها بمسيرات العودة، وهي احتكاك شعبي بحجم وقوة لم يُشهد مثلها في الماضي في قطاع غزة. ولاحقا، شملت المعركة الجديدة إرهاب الطائرات الورقية والبالونات، وكذلك مواجهات عسكرية موضعية قرب السياج الحدودي، ووصلت أوجها بجولات تصعيدية ذكّرت بالفترة التي سبقت الجرف الصامد”، أي العدوان على غزة عام 2014. ورأى ميلشطاين أن نموذج النضال الشعبي، الذين ميّز غالبا الضفة الغربية، الذي يكون فيه الاحتكاك بين الجيش “الإسرائيلي” والجمهور الفلسطيني واسعا نسبيا، جرى نسخه إلى جبهة القطاع، وملاءمته للظروف الخاصة في المنطقة. وذلك إلى جانب الحفاظ على تواصل مستمر للمواجهة، التي ألزمت إسرائيل بحالة تأهب دائم، وحشد قوات كثيرة، وحتى حرف الانتباه عن التحديات الاستراتيجية المركزية التي تواجهها، وفي مقدمتها الجبهة الشمالية”.
وتشير مختلف المصادر في دولة الاحتلال، أن “إسرائيل حريصة على عدم الدخول في معركة متدحرجة باتجاه إعادة احتلال القطاع بريا، لأن هكذا معركة ستكلفها خسائر باهظة، خصوصا في الأرواح”. واعتقدت بأنها ما زالت حريصة بتجنب إعادة احتلال القطاع للأسباب إياها، وعلى ضوء ذلك، قدمت الفصائل الفلسطينية ـــ على حد تعبير المصادر الإسرائيلية ــــ نموذج نضال يسمح لها بالتعبير عن صبغتها كحركة مقاومة لشعب تحت الاحتلال، رغم تخوفها العميق من الانزلاق نحو حرب واسعة نسبيا، فالاحتكاكات الموضعية على الشيك الفاصل بين حدودي العام 1948 و1967 على جبهة القطاع قد تتطور إلى “تبادل ضربات” كما حدث خلال شهر آذار/مارس 2019، حيث قيام طيران الاحتلال العسكري بقصف مواقع في القطاع، وقيام المقاومة بقصف تل أبيب بعدد من الصواريخ أكثر من مرة.
إن الجيل الشباب الصاعد في المؤسسة والمجتمع الفلسطيني عامة وفي قطاع غزة خاصة، هو القوة المحركة المركزية للنضال الحالي، ووزنه بالغ في الوسط الشعبي الفلسطيني، والقسم الكبير منه يشعر أنه ليس لديه ما يخسره، لذلك يحاول تحويل نشاطه ضد الاحتلال باعتباره السبب والعلة لكل المآسي الفلسطينية، والدليل على ذلك المشاركة الواسعة لهذا الجيل في فعاليات مسيرات العودة، وتنفيذ أفراد منه لسلسلة من العمليات البطولية، الفدائية والنوعية، كان آخرها العملية التي نفذها الشهيد عمر أبو ليلى بالقرب من قرية (سلفيت) في الضفة الغربية. وانطلاقا من ذلك فإن تقدير مراكز البحث “الإسرائيلي” تشير لاستمرار مسيرات العودة، ولإمكانية امتدادها باتجاه الضفة الغربية، لذلك فإنها أوصت مصادر القرار بالبحث عن الحلول السياسية، بما في ذلك إمكانية رفع الحصار عن القطاع أو على الأقل التخفيف منه بشكل كبير، بدلا من أن يُستنزف “الجيش الإسرائيلي” في مواجهة المدنيين وأمام كاميرات التلفزة العالمية.
عملية “تقدير الموقف” التي أجرتها أجهزة استخبارات الاحتلال بعد العدوان الأخير على القطاع يومي 4 ــ 6 أيار/مايو 2019، تُبيّن أن حالة عدم الاستقرار في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة ما زالت مرتفعة جدا، وأن إمكانية التصعيد في كلتا الساحتين ما زالت مرتفعة لأسباب مختلفة، إلا أن كلا منها مرتبطة بالأخرى. وفيما يتعلق بقطاع غزة فإن جيش الاحتلال يرى، وبشكل عام، أنه وبدون مسار سياسي يكمل الإنجاز العسكري على حد وصفهم، وتحقيق تقدم كبير على المسار المدني ستتدهور الأوضاع سريعا جدا، وما زال جيش الاحتلال يرى أن تقديم الحلول الاقتصادية من شأنه ضمان الهدوء والاستقرار لفترة طويلة الأمد.
وفي انتظار جولة التصعيد المقبلة التي لم تفقد أرجحيتها لدى قادة جيش الاحتلال، تنشغل “إسرائيل” بتوجيه الانتقادات إلى نفسها، فيما تنتظر فصائل المقاومة في غزة تنفيذ بنود اتفاق التهدئة، قبل أن تقدم على ما هددت به. فبعد أيام على التهدئة، باتت الكرة الآن في الملعب “الإسرائيلي” وما يقدم عليه: التنفيذ أو المخاطرة بمواجهة جديدة قد تكون أوسع وأكثر عمقا وإيذاءً من التصعيد الماضي. هو سباق بين التهدئة والتصعيد، ومرهون بالفعل “الإسرائيلي” أولا والرد الفلسطيني ثانيا.
وعليه، تعتقد معظم المصادر “الإسرائيلية” أنه بفقدان المعالجة السياسية، فإن الوضع في القطاع يقف على شفا حملة عملية عسكرية قادمة، لتنهار الهدنة في غضون أيام إلى أسابيع، فالتقييم الذي قدمه “الجيش الإسرائيلي” للقيادة السياسية يوضح أنه بدون تعزيز الجهود السياسية لتحسين الوضع الإنساني في غزة، فإن الهدوء الذي تم تحقيقه لن يدوم طويلا. ويحدد موقف “الجيش الإسرائيلي”، الذي أيده مسؤولو الاستخبارات، أنه بدون إحراز تقدم في الترتيب، يتوقع أن تتواصل الحرب خلال عدة أيام أو عدة أسابيع.

إلى الأعلى