Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

معركة الأهلّة

أيمن حسين

احتفل العالم الإسلامي في مختلف بقاع الأرض بعيد الفطر المبارك، هذا الأسبوع، وشهد اختلافا في تحديد يوم العيد بين يومي الثلاثاء والأربعاء، لكن اللافت للنظر هذا العام هو حالة الشتات التي ضربت الأمة العربية في تحديد غرة شهر شوَّال، وهو الأمر الذي لم يكن مألوفًا عن ذي قبل، فأثار موجة من الغضب والسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتقل تأثير التشرذم إلى وسائل الإعلام العالمية التي ألقت الضوء على الظاهرة للتعريف بكيفية تحديد الأهلّة في الدول العربية، والبحث عن أسباب وحلول المشكلة.
فإذا نظرنا لخريطة الاحتفال بقدوم العيد نجد أن السعودية والكويت وقطر والإمارات والجزائر، كانوا في طليعة الدول التي حسمت الجدل مبكرا برؤية الهلال، وأن الثلاثاء هو غرة شهر شوال، وأرجأت مصر والأردن وتونس وفلسطين العيد إلى يوم الأربعاء، بينما كانت السلطنة الدولة الأبرز المحسوم بها أمر العيد بأنه لن يكون الثلاثاء في أي حال من الأحوال، وهو أمر ليس غريبا عنها في الابتعاد عن أمور الفرقة والخلاف التي تصيب الأمة.
هناك دول شهدت ارتباكا شديدا على رأسها ليبيا التي أعلنت أن الثلاثاء هو المتمم لشهر رمضان فصلى الشعب صلاة القيام وتناولوا السحور، وصلوا الفجر، وبعدها تراجعت دار الإفتاء الليبية عن إعلانها السابق، وأعلنت أنه يوم العيد، فكثر الجدل وتداول الشعب بيانين أحدهما للهيئة العامة للأوقاف، التابعة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا، والآخر لدار الإفتاء التابعة للحكومة المؤقتة بشرق ليبيا.
لم يكن حال الانقسام في ليبيا ببعيد عن دول أخرى، فقد التزمت وزارة الأوقاف اليمنية (تابعة للحكومة المعترف بها دوليا)، بأن الثلاثاء هو أول أيام العيد، وبعد دقائق حتى أعلنت “لجنة الأهلّة” التابعة لجماعة أنصار الله أن الأربعاء هو أول أيام عيد الفطر، وكذلك العراق التي أعلن فيها مكتب المرجع الشيعي أن العيد سيحل يوم الأربعاء، في حين أعلن ديوان الوقف السني بأنه سيحتفل الثلاثاء بعيد الفطر.
وأدلت الخلافات السياسية بدلوها في السودان فقد خالف تجمع المهنيين السودانيين (المعارض) مجمع الفقه (التابع للحكومة) وأعلن أنهم سيفطرون الثلاثاء ولن ينتظروا يوما آخر. وفي سوريا، أعلنت وكالة الأنباء الرسمية أن الأربعاء يوم عيد لتعذر رؤية الهلال؛ لكن المجلس الإسلامي السوري (تابع للمعارضة) قرر الاحتفال بالعيد الثلاثاء.
وربما شهدت مصر جدلا خفيفا بسبب نبأ إعادة استطلاع هلال العيد عقب صلاة العشاء، ثم أعادت دار الإفتاء المصرية التأكيد ببيان جديد أن يوم الأربعاء هو أول أيام عيد الفطر.
لكن يوم الثلاثاء كان هناك حملة على وسائل التواصل الاجتماعي تشكك في مصداقية وبيانات الدول العربية، فمنهم روج لأنه يجب أن يفطر الصائمون لأن عيدهم هو اليوم، ومنهم من روج لأن الدول التي احتفلت بالعيد هي أفطرت يوما من أيام شهر رمضان، وتداولت الفئة الأخيرة صورا منسوبة لخبر قديم منذ سنوات عن تقنية “التصوير النهاري” وأنه تم تصويرها في البحرين، وتداولوا أرقاما مقترحة كفارة الإفطار في الدول التي احتفلت شعوبها بالعيد؛ لكن مركز الفلك الدولي نشر بيانا رسميا كذب فيه صحة الصور المنتشرة للهلال المولود، وأن الحسابات الفلكية تؤكد أن عدد أيام شهر رمضان 29 يوما، وربما ثلاثين يوما باعتماد رؤية الهلال.
ما يصعب تقبله هو تحول رؤية هلال العيد إلى معركة، والانتقال من أمر الإجماع الشرعي والديني إلى قنوات الافتراق السياسي.
لعل من أهم أسباب هذه الظاهرة هو تحول المنابر الإسلامية التي تملك حق توجيه المسلمين في عدد من الدول العربية إلى منابر تدار بطابع سياسي، سواء في الاختيارات أو في القضايا الجدلية أو الفاصلة، وأصبح اختيار علماء هذا المنابر وفق ضوابط أخرى غير المفترض الالتزام بها، ولهذا سيطرت الخلافات على المسلمين، وتحولت رؤية هلال شهر رمضان أو شوال أو ذي الحجة أو محرم إلى معركة، وبدت الشعوب تصطف كالقوافل في جيوش “معركة الأهلّة”.


تاريخ النشر: 13 يونيو,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/335608

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014