الثلاثاء 18 يونيو 2019 م - ١٤ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / “فنكوش” سلام الرخاء

“فنكوش” سلام الرخاء

د.احمد مصطفى

في منتصف الثمانينيات، وفي الفيلم المصري واحدة بواحدة بطولة النجم عادل إمام، عرف الناطقون بالعربية كلمة “الفنكوش” باعتبارها تعني المنتج الوهمي غير الحقيقي حتى لو كان له شكل مادي. ذلك أنه في الفيلم تلجأ شركة دعاية وإعلان وعلاقات عامة لاختراع اسم لمنتج وهمي تغرق إعلاناته السوق لتحافظ على نصيبها من سوق الإعلانات. ومنذ ذلك الحين ارتبط لفظ الفنكوش بكل ما هو وهمي و”ضحك على الذقون” في أي شيء. وفي زمن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأمثاله من الزعماء في أنحاء مختلفة من العالم، دخل مصطلح الفنكوش السياسي بطريقة لا تختلف كثيرا عما حدث مع بروز الكلمة للمرة الأولى على لسان الممثل عادل إمام قبل أكثر من ثلاثة عقود.
ربما كان أكبر فنكوش في السياسة الإقليمية حاليا هو مشروع خطة السلام الفلسطيني/الإسرائيلي التي يعمل عليها مستشار الرئيس ترامب، وزوج ابنته، جاريد كوشنر منذ عامين. فحتى الآن لا يعرف أحد من الأطراف المعنية بما يوصف إعلاميا بأنها “صفقة القرن” أي تفاصيل عن الخطة، والأرجح أن كوشنر نفسه ومساعديه وعلى رأسهم جيسون جرينبلات مبعوث ترامب للسلام في المنطقة والسفير الأميركي في إسرائيل ديفيد (وهو صهيوني عنصري أكثر من الإسرائيليين) لا يملكون خطة محددة بالفعل. لهذا، لا يسمع أحد منهم سوى كلام على طريقة تغريدات ترامب بمعنى أنها “صفقة غير مسبوقة”، “شيء رائع” “حل نهائي لصراع القرن”…إلخ تلك التعبيرات التي لا تعني سوى “الفنكوش” في الواقع. كل ما فهمه من حضر جلسات الإيجاز لكوشنر في المنطقة نهاية فبراير الماضي، وبعد ذلك في واشنطن قبل نحو شهر، هو أن الصفقة تتجاوز كل المقولات القديمة (أي القرارات الدولية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والانتهاكات الإسرائيلية إلى حد الفصل العنصري وكل ما يتعلق بالأعراف والقواعد والقوانين) وتتعامل مع الواقع الحالي. هذا الواقع الذي منح فيه ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مشروعية ضم القدس المحتلة والجولان المحتل ـ وربما أيضا المستوطنات في بقية الأراضي المحتلة!!!
لكن الشق السياسي من الصفقة مؤجل إلى أن يعلن الشق الاقتصادي، الذي تأجل بدوره ليعطي فرصة للانتخابات العامة الإسرائيلية مطلع أبريل الماضي. تلك الانتخابات التي دعم فيها ترامب بشدة نتنياهو، ورغم فوزه إلا أنه فشل في تشكيل حكومة ائتلافية وسيواجه انتخابات جديدة في سبتمبر القادم. لكن الشق الاقتصادي من صفقة كوشنر لن يؤجل الإعلان عنه، والذي سيتم في ورشة عمل في العاصمة البحرينية المنامة يومي الـ25 و26 من يونيو بعنوان “سلام الرخاء”. ربما كان مفهوما أن الشق السياسي صعب، لأنه من غير الواضح كيف سيطرح اتفاق سلام بدون حدود (حتى لدولة الاحتلال الإسرائيلي) ولا تخفيف للقيود التي تشل حياة الفلسطينيين وتسمح لقطعان المستوطنين الإرهابيين بحرمانهم من أقواتهم ـ ومن أرواحهم أحيانا. إنما الشق الاقتصادي فهدفه، كما يقول الأميركان (برعاية نتنياهو طبعا)، هو مشروعات اقتصادية ضخمة في الضفة الغربية وغزة تجعل حياة الفلسطينيين “أكثر رخاء” بما يعدهم لقبول الشق السياسي!!
ودعيت الدول العربية التي يمكن أن تكون مانحة وغيرها من دول العالم الأخرى إلى المنامة لعرض المشروعات عليهم والحصول على تعهداتهم التمويلية بعشرات مليارات الدولارات لتسهيل حل هذا “الصراع الأزلي” في المنطقة والتفات دولها للتنمية ورفاهية شعوبها ـ بما في ذلك الرخاء للفلسطينيين حين يقبلون السلام!!! ذلك السلام ببساطة هو العيش في قطاع غزة ونحو نصف الضفة الغربية أو الرحيل إلى الأردن أو مصر أو لبنان (الموعودة ببعض فوائد سلام الرخاء) وعدم التفكير في العودة. أما ملايين الفلسطينيين الذين هجروا على مدى العقود السبعة الماضية فلينسوا “حق العودة” أو غيره وليحصلوا على جنسية الأماكن التي هم فيها. ولينس الجميع حل الدولتين، والقدس كعاصمة لفلسطين (حتى الشرقية، ولا حتى أبو ديس). ولو سلم العاقل بكل ذلك، وأن الجميع تعبوا من الصراع ويريدون حلا، فكيف سيكون سلام الرخاء الموعود هذا؟ مشروعات بالمليارات أين ولمن؟ فلا يوجد اقتصاد فلسطيني أصلا تحت الاحتلال، ولا يملك الفلسطينيون (ولا في ظل فنكوش كوشنر السياسي) أي سلطة على أرضهم ومواردهم .. بل إن الفلسطينيين لا يستطيعون الحركة والتنقل في ما تبقى من أرضهم إلا عبر حواجز ونقاط تفتيش، فكيف إذا سينشطون اقتصاديا؟
وإذا كانت الصين وروسيا أعلنتا أنهما لن تشاركا في لقاء المنامة فإن الاتحاد الأوروبي حتى لو شارك لن يتحمس لتقديم أموال لمشروعات يديرها الإسرائيليون ويشرف عليها الأميركان فكأنهم يمولون استمرار الاحتلال بعمولة لأميركا!! والواقع أن أوروبا تخلصت تقريبا من عقدة الذنب التي ابتزها بهم الصهاينة طويلا. لا يتبقى إذًا إلا بعض المانحين العرب، الذين حتى إن تعهدوا بمليارات فيصعب نصور الوفاء بتعهداتهم لأسباب عدة: أولا: لم تعد هناك حاجة لغطاء للتطبيع مع إسرائيل تحت مسمى سلام رخاء أو غيره. وثانيا: ليست هناك عقد ذنب عربية تجاه الصهاينة تدفعهم لتمويلهم، وأخيرا لا يحتاج العرب “صفقة قرن” كي ينسوا قضية فلسطين. مع ذلك سيحضر كثيرون اجتماع المنامة لأنهم لا يريدون إغضاب الأميركان، والأرجح أن التعهدات لن تزيد عما حدث من قبل مع تعهدات أخرى بالمليارات لا يعرف إن كان أحد التزم بها. فحتى الحضور والمشاركة ستبدو أيضا وكأنها فنكوش.

إلى الأعلى