الثلاثاء 18 يونيو 2019 م - ١٤ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تداركوا الدركات

تداركوا الدركات

محمود عدلي الشريف*
لقد منَّ الله تعالى علينا بتوفيق من عنده سبحانه فمد في أعمارنا، لنا شرف فضل صيام شهر رمضان وقيامه ـ أعاده الله تعالى على وطننا عمان وعلى أهل عمان قطبة قيادة وشعباً بالخير واليمن والبركات ـ وأرشدنا سبحانه لنسلك درب الخيرات ونرتقي جبل الطاعات، وندخل جنة القربات، ونذوق طعم الحسنات، ونتلذذ بحلاوة الرحمات.
ولاشك أن الكثيرين منا استغل هذه النفحة الربانية، واقتنص تلك الفرصة الذهبية، ليقوم بها اعوجاج نفسه، ويلزمها طريق الحق والاستقامة، طمعاً في رضا مولاه، والفوز بالجنة يوم يلقاه، وقد حرص الكثيرون منا طوال الشهر الفضيل على خمسة أشياء، ألا وهي: مع نفسه، ومع أهله وذويه، ومع الناس، ومع الأماكن، ومع الأوقات.
فأما مع نفسه: فقد اعتاد طوال الشهر الفضيل أن يضبط لسانه عن القيل والقال، وألزمه ذكر ربه وقراءة القرآن والدعاء، وضبط سمعه أن لا يسمع إلا ما أمر الله تعالى به من تلاوة لكتابه المجيد، وكذلك أغض بصره عن المحرمات، بل ازداد بصره ضياء ونوراً بالنظر في المصحف الشريف، إلى غير ذلك من الإصلاح السلوكي، والتصرف النموذجي، الذي كان للصيام الأثر الأكبر في إنتاجه، وبعد الصيام ينزل دركة دركة، فقد يغفل القلب الذي كان يقظاً، وقد ينطلق البصر الذي كان غضيضاً، وقد ينفلت السمع الذي كان لا يسمع إلا خيراً، وينطلق اللسان وقد كان عليه رقيب، وهذه الدركاتيجب أن تتداركوها ـ قرائي الكرام ـ لأنها تحمل الإنسان أثقالا كالجبال من الذنوب، بعد أن ذهب ثقلها بمغفرتها من علام الغيوب.
وأما مع أهله وذويه: فقد كنا نتابع أهلنا في الإفطار، ونهتم بالصغير والكبير في الإفطار والسحور، والمشاركة في العبادات، وقضاء الحاجات، خاصة النشء الجديد لتدريبهم على الصيام والقيام، وهذ المتابعة التي ضبطت الموازين، وكان الكل للكل خير معين، فتأخذك النظرة العامة في كل أسرة إلى فيوضات من السعادة الغامرة، سمت الأخلاق، وارتقى الجميع بطاعة الله مصطحباً بأهله، ولكن بعد رمضان ينشغل البعض في دوامه وعمله، فقد لا يجتمع معهم على الطعام إلا قليلاً، يقل الاجتماع على الزاد، ولا اتفاق في الميعاد، وهنا ينحدر الطريق دركة دركة بعد رمضان، وهذا ما يجب الحذر منه، والانتباه إليه، فتداركوا هدة الدركات قبل الوقوع فيها بالانشغالات، اللهم أصلح لنا ما هو آت.
وأما مع الناس: فقد كان كل واحد منا يسارع إلى إطعام الطعام وإفشاء السلام، وحسن العشرة في العمل والدوام، فذابت ثلوج العداوات، واضمحلت غيوم الخصومات، وانطفأت نار الخلافات، وتماسكت المودات، وأشرقت محاسن العلاقات، بين الجميع الكل عمتهم بركة رمضان وغشيتهم رحمة الرحمن، وكان للصيام الأثر البالغ في تأليف القلوب، وأصبح الكل محبوب حيثما قام في الصلوات، فالكل يرجو قبول صيامه، لتسعد أيامه، ولكن بعد رمضان قد تتغير الأحوال، وتختلف الأفعال، فتطل برأسها الخلافات بين البعض، فتداركوا هذه الدركات واحذروا من النزول بعد صعود أسمى الدرجات.
وأما الأماكن: فإنها أماكن ذات حقوق على كل واحد منا تجتمع جميعها في أنها تعبد لله تعالى، وتختلف في صفتها وماهيتها، فقد تزاور الأخ من أخته وأخيه، وأقربائه وذويه، وأصدقائه ومحبيه، وتبادل الزيارات في البيوت، وخاصة في العيد المبارك، بل هناك تعلق بأماكن أكتر أهمية، وأعظم شرفاً ألا وهي بيوت الله، فقد التزم الصائم طوال رمضان بعمارة المساجد ليلاً ونهاراً، خشوعاً وخضوعاً، تكثر في المساجد الزوار، فالكل يسبح ويتلو ويصلي ليل نهار، وبعد رمضان ينشغل كلٌ بما خلق له، فقد تشغله شواغله عما كان منه في رمضان، فتقل الزيارات إلا قليلاً، ولا تكثر الخطى إلى المساجد إلا ما رحم ربي، وهنا ينزل دركة بعد دركة فيغفل عما سبق الكثير، ونعوذ برب الفلق من هذا التقصير، فلنتدارك الهبوط من تلك الأعالي في رمضان طول الليالي، ولننتبه من الانزلاق إلى غفلة الدركات.
والأوقات: فعلى الرغم من أن الزمن هو هو واليوم كما هو، إلا أن الإنسان كان حريصاً على إعطاء كل ذي حق حقه ، وليس هذا فقط بل بزيادة واستفاضة، فلم يفرط في وقته فكم قام بزيارة ، وكم قام الليل متهجداً وكم عكف على كتاب الله تالياً، وكم صلى الفجر داعياً ومبتهلاً، مواظباً غير غافلاً، على الرغم من الذهاب للعمل والارتباطات، بما هو مرتبط به في الأيام العادية، ولكن الصيام كان له الأثر الفعال في إفاقته وانتباهه، وعدم تضييع أوقاته، وقد يلمس الجميع من قرائي الكرام تلك البركة في الأوقات في شهر رمضان.
وبعد رمضان قد تنطفئ المصابيح التي كانت تضاء ليقام الليل والتهجد فيه، وتغلق المصاحف التي كانت تفتح وتقرأ ليل نهار، وبعد العلو درجة درجة، يتقهقر البعض إلى الوراء بل وينزل دركة دركة، فالحذر الحذر من القهقري، والكسل والخمول، وتضييع المأمول .. فليحرص كل منا على ما وفقه الله إليه في رمضان .. فكذلك رمضان وقت مبارك .. فكلها أيام الله.

إلى الأعلى