السبت 24 أغسطس 2019 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العيد وأسباب فرحة المسلم (1)

العيد وأسباب فرحة المسلم (1)

د.جمال عبدالعزيز أحمد*
هلَّ العيد، وهلَّتْ أنواره، وأشرقتْ شمسه، ودخلْنا في أجواء فرحته، وساعات مَرَحِه، وانتهى رمضانُ الفضيل بكل جماله، وجلاله، وامتنَّ الله على المسلمين الصائمين، العابدين، الطائعين، القائمين، المتهجِّدين الذي وقَّروا الشهر، وقاموا بحقه، واستفادوا من قيمه، ومبادئه، وخيراته، وأخلاقياته ، امتنَّ الله عليهم بعيدٍ سعيد، يفرحون فيه، ويلتقون، ويهنئ بعضهم بعضا بتمام الشهر، وقبول الله تعالى لهم فيه، ومضائِه على خير، يقول بعضهم لبعض مهنئًا:(عيد مبارك، وعساكم من عواده)، و(تقبل الله منا ومنكم، وأعاده علينا وعليكم بالخير واليمن والإيمان والإحسان)، و(عيد سعيد، وكل عام وأنتم بخير)، و(هُنِّئْتُمْ بالعيد السعيد)، ونحوها من عبارات التهاني، وألفاظ التبريكات، ويعيش الجميع أجواء الفرحة، ويتناولون التمور، والقهوة، وكعك العيد، وتحضيراته وعاداته، ويجد الأطفال فرصة كبيرة للمرح، واللعب، والخروج إلى المتنزهات العامة، والحدائق، وشراء ما يروق لهم من الألعاب، والحلويات، ويأخذون عِدِيَّاتِهِمْ من آبائهم، وأمهاتهم، وأعمامهم، وعماتهم، وأخوالهم، وخالاتهم، وأجدادهم، وجداتهم، ويسعدون أيَّما سعادة طوال أيام العيد، ويمر الجيران، والأسر على بعضهم بعضًا مهنئين، مباركين حلولَ عد الفطر المبارك، وانقضاءَ الشهر الفضيل.
وهنا نرصد شيئًا من أسباب فرحة المسلمين بعيد الفطر المبارك، وحق لهم أن يفرحوا:(وبذلك فليفرحوا) لأنه فرحٌ شرعه الله تعالى ولم يشرعه البشر.
فأول فرحة فيه وسببٍ أنه فرحٌ مشروعٌ، استنَّه الإسلامُ بعد كل طاعة فرحاً بإتمامها، واحتفاءً بانقضائها على خير ليعلِّمنا أن الفرحَ الحقيقيَّهو الذي يأتي بعد طاعة، ويكون في عقب عبادة، فكلُّ طاعة وعبادة تنتهي على خير، فمن حقِّ صاحبها أن يفرح لأنه أرضى الله ربه، والتزم بتعاليم مولاه، ومضى خلف رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) فصام وقام، وتهجد وما نام، وتصدق وما بخل، وافترش جبهته لربه طيلة أيام وليالي الشهر، وكان يأخذ من وقت نومه وراحته ليقف بين يديْ ربه متهجداً، قائما يتلو، ويبكي ربه: أن يطهِّرَ قلبه، وينضر صحيفته مما شابها من الذنوب، والمعاصي، ويمتنَّ عليه بالرحمة، والمغفرة، والعتق من النار، وقام بحقِّ الشهر، وقدسيته، وعرف قدره، وأقامه، ووسَّده مكانته، فكان وقّافاً عند حدود الله فيه، وانتهض له مُجِلّاً، موقِّراً، محترماً، عاملاً، مخلصاً، متبتلاً، أوَّاهاً، منيباً.
ومن حق المسلم الصائم الطائع أن يفرح لطاعته، ولأن ربه طلب إليه أن يفرح:(فبذلك فليفرحوا)، فكيف لا يأخذ هدية الله له بعد القيام بكل ما وَجَبَ عليه تجاهَ شهر رمضان: صياما، وقياماً، وتسبيحًا، وتلاوة، ودعاء، وتصدقاً، وتبتلاً، وامتثالاً لكل ما طُلِبَ إليه.
ومن أسباب فرحة العيد كذلك الوقوف عند حرمات الشهر، وقدسيته، فلا اغتياب، ولا ارتياب، ولا جدال، ولا تناحر، ولا تحاسد، ولا تباغض، ولا احتراب، ولا ضغائن، ولا إِحَنَ، ولا عداوات، ولا خبثَ صدر، ولا تدبيرَ ليل، ولا مكرَ مبيَّتا، ولا بغضاءَ وخصامَ، فقد مر الشهر على أفضل ما تكون النفس طهارة: ظاهراً وباطناً، إسراراً وإعلانا، صمتًا وبياناً، سفرا وإقامة، يقظة ومنامًا، لا يفكر الصائم إلا في مرضاة الله، وسعيًا لنيل رضاه، واستنزال رحماه، واستدرار كامل هداه، واستمطار جليل خيراته، وكثير رحماته، وواسع نُعماه.
ومن أسباب الفرحة بالعيدكذلك كثرة تلاوة الصائم للقرآن الكريم، وفهمه، ومدارسته، والوقوف على جماله، وكماله، وجلاله، واستعراض كل ما ورد فيه سواءٌ في القيام، أو التهجد، أو في التلاوة الخاصة في المسجد، أو في البيت، أو في العمل، أو في الطريق، أو في السيارة، حيث كانت التلاوةُ شغلَ المسلم الشاغل: صباحَ مساءَ، وليلَ نهارَ، في أي زمان ومكان، حيث صاحَبَ القرآنَ أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا طوال ثلاثين يوما كواملَ، حتى عشقه، وقرأه مرارًا، ووقف على ما فيه من أخبار، ومواعظ، وقيم، ودلالات، وتجوَّل في شرائح المجتمعات السابقة، وموقفهم من أنبيائهم: تصديقًا وتكذيبًا، إعانةً أو صدًّا عن سبيل الله، وعرف عواقب المكذبين، ومآلات المصدقين، مَنْ عذَّبهم الله لصدهم عن سبيله، ومن أكرمهم وخلَّد أسماءهم؛ جراء طاعته، وحسن عبادته، وتجوَّل في بساتين الكتاب العزيز، واعتبق شذاه، ومضى يقطف من أزهاره، وثماره، ويشتمُّ وروده، ورياحينه، ويتعلم التجويد هنا، والتفسير هنا، والبلاغة هناك، والفقه هنالك، وغيرها مما اتصل بالقرآن الكريم من علوم وفنون، كان القرآن الكريم سبباً في نشأتها، وخروجها للنور، فعاش في أفياء تلك العلوم الشريفة، ونهل من نهرها العذب الفياض، وقطف من ثمار روضها النضج الجميل.

* كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية.
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى