الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 م - ٢٣ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الأندلس.. صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (9ـ12)

الأندلس.. صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (9ـ12)

سعود بن علي الحارثي

قرطبة:
في طريقنا من غرناطة بني الأحمر إلى إشبيلية ابن عباد كان الانعطاف إلى عرش الخلافة الأموية وعاصمة صقر قريش ومركز الازدهار الأندلسي والأوروبي على السواء قرارا حتميا لا مفر منه وإلا كانت هذه الرحلة ناقصة، بل لن أجانب الحقيقة إذا ما قلت إنها عديمة القيمة، فكيف نتجاهل الجامع الأموي ولا نفكر في الصلاة فيه ركعتين، ولا يضيرنا أو يعيقنا عن الصلاة كونه أصبح مبنى كنسيا بقرار سلطة متعصبة لا ترى في الأديان والعقائد إلا ما تؤمن به، فالإيمان والصلاة وأماكن العبادة والعقائد والعمل الصالح والقبول، شأن رباني لا بشري، وكيف نتجاوز قصر الزهراء دون المرور على أطلاله وقراءة الفاتحة على روح الناصر؟ وكيف لا نفكر بإلقاء التحية على ابن زيدون ومحبوبته ولادة وهما ينامان بسلام في أحضان قرطبة وينالان تضامن ومحبة جميع العشاق في هذا العالم الذين جعلوا من شعرهما الرقيق رمزا وأيقونة لكل قصص الحب والعشق والجمال؟؟؟ إنها قرطبة عاصمة الأندلس، ومركز الخلافة الأموية في العهد العباسي، ومنارة العلم والأدب والثقافة، ومن شمس حلقاتها العلمية ومدارسها ومجالسها الأدبية وجامعاتها ومكتبة الأمويين التي ضمت أكثر من ٤٠٠ ألف مجلد … أشرقت أنوار الحضارة فأبهرت عيون العالم وخطت أقدام الأمم والشعوب متلمسة دروب التقدم والمعرفة التي نعيش اليوم أوج ثوراتها وطفراتها المتلاحقة، فقد كانت (قرطبة في عهد عبد الرحمن الثالث الأموي عاصمة لدولة الأندلس، ويستضيء الماشي بسراجها من على بعد عشرة أميال، وبلغ عدد سكانها حوالي المليون نسمة بينما كانت أكبر مدينة في أوروبا لا يزيد سكانها عن ربع مليون نسمة، وكان عدد حماماتها العمومية ومرافقها وبيوتها حوالي 283000، وبلغ عدد قصورها ثمانين ألفا، وكان فيها مئة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، وتحتوي المدينة على خمسين مستشفى، وفيها ستمئة مسجد ومن أهم مساجدها مسجد قرطبة، والذي لم يوجد له مثيل أو نظير في الفخامة والزخرفة وروعة البنيان). النصب التذكاري لأشهر قصة حب أندلسية (الولادة وابن زيدون)، قابلنا مصادفة دون تخطيط مسبق وذلك بعد خطوات من ساحة المواقف التي ركنا فيها سيارتنا، أقيم النصب في العام ١٩٧١م، بمبادرة من طلبة جامعة قرطبة بمناسبة ذكرى مرور ٩٠٠ عام على وفاة ابن زيدون، تم انتقاء عدة أبيات من شعر العاشقين حفر على النصب التذكاري :
أبيات ولادة: (أغار عليك من عيني ومني * ومنك ومن زمانك والمكان * ولو أني خبأتك في عيوني * إلى يوم القيامة ما كفاني). أبيات ابن زيدون: (يا من غدوت به في الناس مشتهرا * قلبي عليك يقاسي الهم والفكرا * إن غبت لم ألق إنسانا يؤانسني * وإن حضرت فكل الناس قد حضرا). ودعنا العشيقين بعد أن رددنا تلك الأبيات وغيرها من ديوان الشاعرين عدة مرات: إني ذكرتُك بالزهراء مشتاقا * والأفق طلْقٌ ووجه الأرض قد راقا * وللنسيمِ اعتلالٌ في أصائله * كأنّما رقَّ لي فاعتلّ إشفاقا * والروض عن مائه الفضّيّ مبتسم * كما حللت عن اللّبّات أطواقا * يومٌ كأيّام لذّات لنا انصرمت * بتنا لها حين نام الدّهر سرّاقا، متجهين إلى (قنطرة الدهر)، فعبرناها من الضفة الغربية لنهر (الوادي الكبير)، كما عبرها خلفاء وعلماء وقادة وشخصيات اجتماعية لها مقامها ومكانتها، وعشاق وسياح وطلبة علم وجيوش منتصرة وأخرى منكفئة منهزمة، ولا يزال (نهر الوادي الكبير)، على عهده يجري في مجراه، يستذكر عبد الرحمن الداخل والخلافة الأموية الزاهرة وعشرات الأدباء والعلماء والشعراء والعشاق الذين مروا من هنا وقالوا فيه أرق الشعر وأعذب النصوص، رددنا معه بيت الشاعر العربي (شلت يد الدهر الخؤون فإنها * ذهبت من العلياء بالأمجاد). عند المدخل الرئيسي لجامع قرطبة الأموي، كانت تعليمات موظف الأمن صارمة تذكرنا بأن (الصلاة ممنوعة) داخله للمسلمين، فيما يؤدي في الوقت ذاته مئات المسيحيين أذكارهم وطقوسهم وصلواتهم واعترافاتهم، يحدث هذا الموقف في قلب أوروبا مركز التسامح والتعايش وفي بلد يتبنى النظام السياسي الديمقراطي، وعضو في الاتحاد الأوروبي الذي تتغنى دوله بحقوق الإنسان وحرية الأديان، فالجامع إنجاز حضاري إنساني خصص للصلاة والعبادة وطلب العلم، ويؤرخ لعصر الخلافة الإسلامية في الأندلس التي بفضلها تعيش اليوم أوروبا نهضتها وتقدمها، فالخلافة والإمارات الإسلامية التي تعاقبت على الأندلس احتضنت الديانات والعقائد والأعراق وأسست لقيم التعايش والتسامح والعدل، وعاش في كنفها الجميع مسلمين ومسيحيين ويهود، ولم يسجل تاريخها أية ممارسات وأفعال تنتهك حقوق الإنسان((سبعمئة سنة بطولها))، هتف طارق: ((عشنا جميعا هنا بسلام هل أبعدنا نحن المغاربيين، اليهود من هنا؟ هل طلبنا من المسيحيين أن يبجلوا نبينا؟))، على عكس ما فعلته محاكم التفتيش المسيحية من تطهير وتنصير قسري ومذابح وعمليات تعذيب بحق المسلمين واليهود، والتي تعد واحدة من صفحات التاريخ السوداء في اسبانيا، وما زالت أدوات الرعب وآلات القمع وأجهزة التعذيب والحرق وقطع الأطراف والأعضاء وسلخ الأجساد البشرية … التي لاحقت ملايين المسلمين واليهود تعرض في أحد المتاحف بالقرب من جامع قرطبة تؤرخ لتلك الفترة المظلمة، (ولهذا، ينبغي علينا تخليص أرواحهم، ولذا نقوم نحن بالقبض عليهم وحرقهم من أجل شفاء نفوسهم)، فلماذا يمنع المسلمون اليوم من الصلاة في هذا الصرح الإسلامي المفخرة الذي يجذب ملايين السياح في العام ويعزز الاقتصاد الإسباني؟ ولماذا عمدت أسقفية قرطبة في العام 2014م، بحذف (مسجد) من الاسم المتعارف عليه رسميا (مسجد كاتدرائية قرطبة)، وأبقت فقط على (كاتدرائية قرطبة)، وهو ما أثار مشاعر مسلمي إسبانيا جميعا؟ لماذا لا يصحح خطأ الماضي الجسيم بجعل الجامع مركزا دينيا للعبادات والديانات السماوية الثلاث المسيحية والإسلام واليهودية يرمز للتسامح والتعايش والعلاقات الإنسانية؟ (هل ينبغي أن يكون هناك نوع واحد من الإسبان؟ ألا يوجد في هذا البلد مكان إلا لدين واحد؟ ألم تكن سبعمئة عام من حكم المغاربيين حقبة لتعايش الأديان الثلاثة؟)). يعتبر الجامع بحق من عجائب الإنجاز الإنساني، ومفخرة من مفاخر الخلافة الإسلامية الأموية في الأندلس، وقد احتضنته اليونسكو (ضمن مجموعة آثار العالم، ذات الحماية الخاصة عام ١٩٨٤م)، وفي حقيقة الأمر ذهلت من حجم الجامع وسعته وما يتميز به من زخرفة إسلامية راقية تتميز بالدقة والإتقان والحرفية العالية، ومن صف العقود والأعمدة التي تصل إلى عشرة صفوف من الأقواس، وكل صف يحتوي على اثني عشر قوسا، إنه يعبر بحق عن عظمة وأبهة وازدهار الخلافة الإسلامية في الأندلس وما بلغته من تفوق وقوة وثراء وتقدم علمي. أخذنا جولة في الحارات والأزقة والمعالم السياحية القديمة التي تمزج بين الحضارات الرومانية والإسلامية والأوروبية وتشي بمكانة قرطبة وعلو شأنها بين مدن العالم.

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى